طلبة معهد الفنون الجميلة
مرحباً بكم في معهد الفنون الجميلة في الديوانية


نتمنى للاعضاء قضاء اجمل الاوقات برفقتنا



طلبة معهد الفنون الجميلة

اهـــــــــــــــــلآ وســــــــــــــهلآ بكم في طلبة معهد الفنون الجميلة هذا المنتدى الى جميع لطلبة معهدالفنون الجميلة و الفنانون الموهوبون والى من يحب معنى الفن وعرض نشاطاتهم
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 سرحيــــــــــة وللحـــــرب بقيـــــة تأليـــــف عبدالخالق كريم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفنان مصطفى الخالدي



المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 11/01/2012

مُساهمةموضوع: سرحيــــــــــة وللحـــــرب بقيـــــة تأليـــــف عبدالخالق كريم    الخميس يناير 12, 2012 6:32 pm

سرحيــــــــــة وللحـــــرب بقيـــــة

تأليـــــف عبدالخالق كريم


الشخصيات :

الفتــــــاة : في العشرين من العمر
الصحفي : في الخامسة والاربعين من العمر
الـــرجل : في الخمسين من العمر

المشهد الاول :
(الصحفي يقف يحمل بيده حقيبة ذات حمّالة .. يدخل الرجل من نهاية
المسرح وهو يرتدي معطفاً اسوداً غريباً .. يمشي بهدوء .. يقف أمام
الصحفي ... الصحفي يرفع يده بهدوء، يبعد قميصه عن رقبته... الرجل
يمسك به من كتفيه .. فجأة يغرس أنيابه في رقبة الصحفي ... الصحفي يصرخ ... يبدأ بأنين مخنوق سرعان مايتحول الى صرخة عنيفة ... الرجل يتركه... يبتعد عنه والدم يملأ شفتيه وهو يكشر أنيابه... يغادر المسرح وهو يتحدث الى الصحفي دون ان يلتفت اليه )
الــــرجل : انتظر مهمتك الاولى ... المهمة التي طلبتها انت
( الصحفي ينهار وسط المسرح )

إظــــــــــــــــــــــــــــلام

المشهد الثاني :
(ستوديو تصوير يلفه الظلام ... آلات تصوير .. أجهزة إضاءة ...
مقاعد وطاولة صغيرة في أحد الأركان ... في الخلف نافذة مغلقة ...
يمكن الاستعاضة عن المكان بقاعة لتدريب الباليه ... مرقص ... نهاية
مجارير المدينة ... الخ ...)
تدخل الفتاة وهي تنظر في الأرجاء ... الصحفي يجلس في ركن بعيد
ينظر اليها دون ان تنتبه اليه ...
الفتــــــاة : غريب ....
الصحفي : أنت أكثر غرابة مني
الفتـــــاة : ( تلفت إليه متفاجئة به ) ها ... عفوا لم أكن أعنيك .. المكان غريب
الصحفي : كل شيء داخل الوطن غريب
الفتـــــاة : الوطن ؟ كنت أسمع هذه الكلمة فأجد ألفة مع أكثر الأمور غرابة
الصحفي : والآن ؟
الفتـــــاة : قطعة الثلج أكثر دفئا مني عندما تطرق مسامعي هذه الكلمة
الصحفي : الوطن ....
الفتـــــاة : ( تقاطعه ) أرجوك .. أترك ستري .. لقد أتيت كي أرقص .. لا أحد هنا
يريدني وعفتي ... أنت
الصحفي : الصحفي ... ألا تعرفينني ؟
الفتـــــاة : أعتذر .. ربما أنت مشهور لسواي
الصحفي : غدا ستكونين أكثر شهرة مني
الفتـــــاة : ليس ..... ليس قبل أن نقضي ليلتنا معا .... قيل لي انك متلهف كما لو أن الحياة ستغادرك دون ليلتك هذه معي
الصحفي : ها
الفتــــــاة : لاتستغرب لصراحتي ... فكلانا يعرف أين سنبدأ وكيف سننتهي ..
لا صباح لغدنا دون خطيئة ... يفترض في البدء أن تقدم لي كأسا
( الصحفي يتجه الى الطاولة يمد يده الاقداح .. تمسك يده )
سأعفيك من ذلك فأنا لاأطيق رائحة الشراب .... تستطيع ان تشرب لأنهم
أخبروني أنك لم تتحمل الظمأ طويلا ..
الصحفي : هذا ماأخبروك به ؟
الفتــــــاة : والآن ... قل لي .. كيف تريد ان تبدأ وليمتك بي
الصحفي : هل أبدو متوحشا الى هذا الحد
الفتــــــاة : وهل أبدو غبية لأصرّح بذلك ... إنما قصدت أية سرية بحياتي تريد
معرفتها لتعلنها على الملأ
الصحفي : البداية
الفتــــاة : وهل ينفع الألم مدخلا ؟
الصحفي : الألم ؟
الفتـــــاة : نعم ..... شهيقنا الاول صرخة ما كنا لنستطيع أن نكتمها
الصحفي : البداية
الفتــــاة : ( تبقى شاردة الذهن )
الصحفي : البداية
( الفتاة مازالت شاردة الذهن .. تريد ان تجهش بالبكاء )
البداية
الفتـــــاة : قيل أن البيت قبرته القذائف .. صارت غرفه لحداً للجميع.. أمي ... عمي.. زوجته .. طفله .. تناثروا مع بقايا سقف تشظى ... وحدي ... كنت وحدي أقف بين الأطلال .. طفلة صغيرة .. أقف كشاهد قبر لايملك حتى البكاء .. قيل ان السماء أمطرت بكاءا علي .. ماكنت بحاجة لسماء
تبكيني .. كنت بحاجة لسماء تدثرني .. مطرها زادني بردا وخوفا ورعبا
وارتجافا.. منذ كنت صغيرة والسماء بعيدة عني ... وها هي حتى اللحظة ظلمة ما من سبيل إلينا فيها .. ثم ...
الصحفي : ماذا ؟ ثم ماذا ؟
الفتــــــاة : كانت هناك ...
الصحفي : من ؟
الفتــــاة : إمرأة ترتدي السواد .. رأيت فيها شكل أمي ... فصرخت بها مستنجدة ..
ماما ... ماما ... لكنها
الصحفي : ماذا ؟ مالذي فعلته ؟
الفتـــــاة : وقفت مبهوتة تنظر إليّ .. كانت تلهث ..
الصحفي : تلهث ؟
الفتــــاة : لهاثها يجعل من صدرها ريحا تعصف بثيابها ... خطفتني دمعتها التي
بكتني بها ... ثم ركضت بي هاربة .. تركت ورائي .. مدينة يوجعها
صخب المدافع ... ومأتما ... مأتما ماكانت أضلعي الصغيرة الرخوة
تنفع أن تكون أعمدة لأبتنيه لهم ....
الصحفي : فرت بك هاربة ؟
الفتــــــاة : لكن الى أين .... مازالت السماء تبكينا دون أن تمنحنا دثار ... برد..
جسدي يرتعد من البرد
الصحفي : أتشعرين بالبرد ؟
الفتـــــاة : أجل والخوف أيضا ....
الصحفي : الخوف مم ؟
الفتــــــاة : لا ليس لأجلي هذه المرة
الصحفي : لأجل من أذن ؟
الفتــــــاة : أطفال منقذتي .... أطفالها الذين ولدوا بسبب برد قارص
الصحفي : ماذا ؟ بسبب برد قارص ؟ لم أفهم
الفتــــــاة : فقيرة حضنت فقيرها ذات مساء ودثرته بارتعاشة جسدها فولد الأطفال
لنورثهم الخطيئة
الصحفي : لا ... لا .. يجب أن أفهم ولماذا الخطيئة ؟
الفتــــــاة : لأننا لانستطيع أن نجعل من معدة الاطفال سندانا يتحملوا بها مطارق
الجوع .. وأنا ... أنا لاأملك سبيلا الا بإباحة المحارم كي أوقف ألمهم،
هكذا يتعلم الأطفال مني بأن الحياة لاتستقيم بالفضائل فيحملوا خطيئتنا
ليعيشوا تحت وزرها
الصحفي : ولم تجدي غير ....
الفتـــــاة : الرقص ؟ الرقص فضيلتي أيها السيد
الصحفي : ألم تجدي شيئاً آخر لتتعلميه ؟
الفتـــــاة : أرغمت ... أرغمت على تعلمه
الصحفي : لاأصدق أن ثمة شيء يستطيع أن يرغمنا على تعلم ما ...
الفتــــــاة : (تقاطعه ) ذات يوم كنت جالسة في بيت جارة لنا .. كانت شاشة التلفاز
تعرض أجساد الفاتنات وهي تهتز .... والمذيع .. صوته يملأ المكان
الفنانة الكبيرة ... الشهيرة ... الراقصة المتألقة ... الــ ...الـــ .. الــــ
كنا نستخدمها للتعريف ....
الصحفي : والآن ...
الفتــــــاة : نستخدمها للتضليل ...أو يا إلهي
الصحفي : مابك ؟
الفتـــــاة : صراخ ...
الصحفي : لاأسمع شيئاً ... ( ثم يتدارك ) ها تقصدين التلفاز
الفتـــــاة : لا الشارع ... خرجت أجري وأجري .. وعندما وضعت قدمي في الشارع
تسمّرت بمكاني
الصحفي : مالذي جرى؟
الفتــــــاة : الصراخ
الصحفي : ماذا بشأن الصراخ ؟
الفتـــــاة : من بيتنا
الصحفي : ماذا ؟
الفتــــــاة : تخلصت من انذهالي .... وركضت ... ركضت .. لاأدري ان كانت
الارض تبتعد عني ... أم أنا من وئدت خطواتها ... وصلت الباب ..
ورأيت الاطفال
الصحفي : الأطفال ؟
الفتـــــاة : يمسكون بثوبها الخرق ... لماذا ؟
الصحفي : ها ...
الفتــــــاة : لماذا يتركنا عزرائيل خرقا نبلى بكفّ طفل يستنجد بنا
الصحفي : إهدئي ... لنعد الى موضوعنا ... لقد سألتك كيف تعلمت الرقص؟
الفتـــــاة : أكبرهم كان يفتح عينيها ... يهزّ يدها .. يضرب بكفه الصغيرة خدها
البارد المتغضن ...
الصحفي : كيف تعلمت الرقص؟
الفتــــــاة : رفع عينيه يسألني ... وأنا حائرة ... عاجزة .. بماذا أجيب ؟
الصحفي : كيف تعلمت الرقص؟
الفتـــــاة : ( مسترسلة دون أن تنتبه إليه )
وهل تمنحنا السماء إجابات لعبثها بنا .... الطفلة ... الطفلة كانت تمسك
بقدح متوسلة إياها أن تنهض لتملأه لها بالحليب ( وهي تبكي )
إنهضي .. إنهضي
الصحفي : أهدئي ... أهدئي ارجوك
الفتــــــاة : لكنها جفت
الصحفي : أهدئي
الفتـــــاة : جفت فيها الحياة .. فمن ؟ ... من يروي طفلة مازالت ظمأى لأمها
الصحفي : آنستي إنما أردت أن أعرف كيف تعلمت الرقص ... لا أن
الفتـــــاة : ( تواصل دون ان تلتفت اليه )
وضعت يدي على رأسي وأخذت أضرب عليها بالأخرى ... أكتم
بصدري صرخة ترفع جسدي تريد أن تشقّ عنان السماء ... فأكتمها
بالعودة إلى الأرض ... فصراخي سيرعب أطفالا صار قلبي سكينتهم
أريد أن أصرخ ( ترفع جسدها وهي تضرب على رأسها )
وأكتمها ( تنزل الى الارض بأقدامها )
أريد أن أصرخ ( ترفع جسدها وهي تضرب على رأسها )
وأكتمها ( تنزل الى الارض باقدامها )
أصرخ وأكتمها ...أصرخ وأكتمها .... أصرخ
بقيت زمنا هكذا ترفعني صرختي وأمسك الأرض بكتمها ... فاكتشفت
بأني أجيد الرقص
( تلتفت اليه )
هل رأيت مذبوحا مثلي يكابر فيربت على سكين تنحره وهو يبتسم؟
الصحفي : هكذا تعلمت الرقص ؟
الفتـــــاة : مرغمة .. البعض يتعلم من الألم مايروي به شبق الآخرين ..
وها أنا الآن هنا لينظر فينا الآخرين مايريدوه .. وجه مطليّ .. سيقان
بيضاء ... هي ساعة ... ساعة كل ليلة .... سأترك جسدي الراقص
يصرخ بوجه الجميع
( ترقص ) سأذبح آلام فضيلة أتمناها ... سأرقص وأرقص
الصحفي : كفى استري عريك ...
الفتــــــاة : لقد سترته بالفضيلة حتى مزقنا الجوع ..... لم يعد العالم يأخذ درسه كما
تعلمناه .... هل تذكر كيف تعلمنا الدرس؟
الصحفي : الدرس ... كنا .. كنا ... لاأدري الى أين تريدين أن تصلي
الفتــــــاة : كنا نقول ... دأ .. آ .. دا
أر ... دار ام واب .....
دأ .. آ .. دا
أر ... دار أخ وأخـت ... وأشياء أخرى كثيرة
الصحفي : والآن ... مازال
الفتـــــاة : الآن ... ابن خالتي يردد ورائي عندما أعلمه الدرس
دأ ... آ .. دا ... أر ... دولار
صار سقف البيت ورقاً أخضر .... أنا خائفة ... خائفة
الصحفي : لاتخافي ... مازلنا نملك بيتا .. نملك أن ...
الفـتـــــاة : أخاف
الصحفي : لاتخافي ... مازال نسيم الـــ ...
الفتـــــاة : (تقاطعه ) أخاف على نسيم الصباح أن يخجل من نفسه يوما .. إذ يرى
سقف بيتنا يتطاير بنسماته فيظن روحه نسيما قاسيا دون ان يدري ان
للبيت سقف من ورق ...
( يدخل الرجل .. يختفي في الظلام ... يحدثهما من بعيد بصوت جهوري )
الرجـــل : هل أنهيت مهمتك ... قريبا سينتهي المساء .. لاتجعله الاخير
الصحفي : ليس بعد .. لكني سأنهيها ...
الرجـــل : لابأس أن تخبرها بحقيقة مايجري .. ماتعتقده ظلمة تخيف الآخرين
ينظر فيها سواك عالما من المسارات الأبدية إلى الأحلام ... أخبرها
قل لها حاجتك ...
الفتــــــاة: حاجته ؟ مني ؟ مالذي تحتاجه مني ؟ قل .. إنما أنا هنا فقط لأستجيب
الى شروط حياتي الجديدة ... لاتجعل من خجلك حجر عثرة في طريقي
مالذي تريده مني ...
الرجـــل : قبلة
الفتــــاة : ( وهي مستغربة .. وشبه مذعورة ) ماذا ؟
الرجـــل : قبلة ... إقطعي لهاثه وتصرفي
الصحفي : ( للرجل ) أرجوك يكفي هذا .. اتركني أكمل حواري معها
الفتـــــاة : قبلة ؟
الرجــــل : سيموت دونها
الصحفي : أتركني أتصرف .. أنت تربكها ... أرجوك أتركنا
الرجــــل : أخبرتني أنك كنت صيادا ذات يوم ... ألم تكن كذلك
الصحفي : أجل كنت كذلك
الرجــــل : الصياد لايخطئ في التوقيت .. سينتهي المساء ..
هل تدرك معنى ذلك ؟
الصحفي : أجل أدرك معنى ذلك ... فقط أتركنا كي لاأنتهي كما لاتتمنى
( الرجل يخرج .. الصحفي يقف .. تقترب منه الفتاة )
الفتــــاة : أحقا مايقول ؟
الصحفي : لاعليك ... سألتك
الفتـــــاة : أنت متعب ... أحقا تريد أن تقطع لهاثك بقبلة مني
الصحفي : سألتك .. كيف أخترت أن تكون بدايتك ؟
الفتـــــاة : أأقطع لهاثك بشفتين ستنافق لو ذكرت اسم الله يوما .. أيجب أن أمنح
الشيطان سلطته على الروح كي أبدأ
الصحفي : اللعنة .. أجيبي .. كيف اخترت أن تكون بدايتك ؟
الفتـــــاة : أهذا كل ماأنت عليه ... قبلة كي ..
الصحفي : كفى
الفتــــاة : تكتب
الصحفي : بل كي أحيا ...
الفتــــاة : ماذا ؟
الصحفي : أجل كي أحيا ... حياة لست طامعا فيها .. حياة لايشبعها إلا الدم
الفتـــــاة : ماذا ؟
الصحفي : دم
الفتــــاة : أشبق أنت الى هذا الحد
الصحفي : لاعليك بما أحتاجه الآن .. أخبريني
الفتـــــاة : (تقاطعه ) كيف يكون الحب والشفة تغرق ببركة دم
الصحفي : أنا لاأريد
الفتــــاة : ( تقاطعه ) مالذي ستلده الشفاه وهي تنزف بقايا اشتهاء داعر ......
مهزلة .. ليت الرحم يتخم بالعقم لتنتهي المهزلة
الصحفي : فقط لو ...
الفتـــــاة : تعال ...
الصحفي : ماذا ؟
الفتــــاة : تعال خذها
الصحفي : لكني
الفتــــاة : خذها
الصحفي : ( يقف أمامها .. ينظر اليها ) أنا
الفتـــــاة : أقترب ( تقرّب شفتيها من فمه )
الصحفي : في الرقبة
الفتـــــاة : ماذا
الصحفي : في الرقبة
الفتـــــاة : أحادة شفتاك ؟
الصحفي : لماذا تسألين ؟
الفتـــــاة : أسألك أن يكون الذبح سريعا
( تقترب منه .. يرفع شعرها .. ينظر الى رقبتها )
( صوت رعد وبرق .. الفتاة تفرّ هاربة باتجاه الشرفة المغلقة ..
الصحفي يذهب بالاتجاه المعاكس ... يجثو على الارض )
الصحفي : إنها هي ؟ هي .. أجل هي
الفتـــــاة : اللعنة ... كم هي قاسية هذه الليلة
الصحفي : ماذا ؟
الفتـــــاة : بردان
الصحفي : من ...
الفتـــــاة : الصغير
الصحفي : أيّ صغير
الفتـــــاة : إنه لا يطيق دثاره .. لكنه كان يلمّ أطرافه .. فيصير مثل كرة صغيرة ..
ويضع كل مايصيره تحت إبطي ... فأضمّه إليّ .. أعانقه وأبقى مستيقظة
حتى الصباح ... نبضه الضعيف يخيفني .. لاأدري لماذا يولد أطفالنا وقد
جزعتهم الحياة
( الصحفي يتكئ على المقعد .. ثم يجلس وهو خائر القوى )
مابك ؟
الصحفي : لا أدري .. لا أدري .. قواي تخور
الفتـــــاة : عجبا أتخور قواك من أجل قبلة ...؟
الصحفي : وربما أموت .. أنا بردان
الفتـــــاة : أيجب أن أعانقك .. كي تكون رقبتي بين أنيابك
الصحفي : أنت الوحيدة
الفتـــــاة : ( تقاطعه ) الوحيدة التي تريد أن تقتل عفتها .. ربما تقطع شريانها ..
لماذا ؟
الصحفي : بل أنت الوحيدة التي أريد أن أعتقها
الفتـــــاة : كيف ... بالدم الذي سينفر من رقبتي تحت انيابك .. لا .. موتي دون ذلك
مانحن الا جثث أسرت أرواحنا فيها ... ولن أبخل على روحي حريتها
حيث السماء لتطوف بها ..... انت تضعف ؟ لاأصدق أنك كنت صيادا
الصحفي : أنا ...
الفتـــــاة : حقا ..أن لعينيك نظرات صياد
الصحفي : كنت ... كنت صيادا
الفتـــــاة : صياد ماذا ؟
الصحفي : مقاتلا في زمن الحرب
الفتـــــاة : مقاتلا ؟
الصحفي : مراسلا حربيا .. كنت أصطاد اللقطات بكاميرتي
الفتـــــاة : لاأصدق أنك دخلت حربا
الصحفي : لماذا ؟
الفتـــــاة : لاتملك من فروسية المقاتل شيء
الصحفي : كيف ؟
الفتـــــاة : ليس من اللائق أن تكون المرأة فريسة مقاتل
الصحفي : لست فريستي
الفتـــــاة : طريدة ...
الصحفي : إنما أردت أن أطرد ... لاأدري ... لاأدري مالذي أقوله لك ؟
الفتـــــاة : أبي
الصحفي : (متوهما أنها تناديه ) ها
الفتـــــاة : أبي كان جنديا
الصحفي : وأنا كذلك
الفتـــــاة : لا لست كذلك ... أنت مراسل .. متفرج
الصحفي : ما الفرق ؟
الفتـــــاة : الفرق كبير ين الشرف ومؤرخه .. المراسل ليس جنديا
الصحفي : رفيقهم .. زميلهم في معركة أو أكثر
الفتـــــاة : لكن ليس ككل الجنود .. قد يعجز بأن يكون ببطولة أضعفهم
الصحفي : وقد يعجز أحيانا أكثرهم بطولة أن يكون بشجاعة مراسل حربي ..
لقد شاركت بالكثير من المعارك ..
الفتـــــاة : شاركت ؟! ( تضحك ) تقصد صوّرتها ... صوّرتها وحسب
الصحفي : فعلا صوّرتها وحسب .. ولكن ذلك لايعني بأني لم أعش مواقف كثيرة ..
ربما لم يعشها جندي غيري
الفتـــــاة : (تضحك بسخرية ) حقا ؟
الصحفي : مالذي يضحكك ؟
الفتـــــاة : لاشيء ... إني أضحك كي أصل الى نهاية ليلتي هذه
الصحفي : اريد أن أتحدث .. أتحدث كي أنسى .. الخدر بدأ يغزو جسدي
الفتـــــاة : تنسى ماذا ؟
الصحفي : الذكريات تنسينا فاجعة اللحظة ... فأنا لاأعيش الآن أجمل المواقف في
حياتي ...
الفتـــــاة : أيعقل أن يكون لأمثالك موقف في يوم ما
الصحفي : كثيرة
الفتـــــاة : حقــــا ؟
الصحفي : صدقيني .. لقد مررت في الكثير من المواقف .. ولو قدّر لي أن أحيا
لأدوّن بعضها فأنا بحاجة الى أكثر من حياة واحدة كي أجمع الكلمات
التي أستطيع بها وصف ألف جحيم مازالت تستعر برأسي
الفتـــــاة : أيعقل أن تذكر بعضها ؟
الصحفي : وهل أستطيع أن أنسى ..
الفتـــــاة : كفى .. كفّ عن هذا الموضوع
الصحفي : أيعذبك أن أتذكر ...
الفتـــــاة : بل يعذبني حبسي مع أكذوبة
الصحفي : ( يصرخ بها ) لست أكذوبة ..
الفتـــــاة : لاتصرخ بي
الصحفي : أنما أتيت فقط كي أجد منفذي الى الحياة
الفتـــــاة : وأنا شريانك الدافق
الصحفي : أريد أن أحكي لك ...
الفتـــــاة : أحتفظ بحكاياتك لنفسك .. أحتفظ بلقطات كنت تسرقها من سواك
الصحفي : أسرقها ؟ ! من سواي ؟! أنا أسرق حكاياتي
الفتـــــاة : أجل من سواك
الصحفي : أنا أسرق حكاياتي ؟
الفتـــــاة : أشك في أنك تستطيع أن ترفع رأسك عاليا وسط ريح تشق بطنها
الشظايا لتحمل كاميرتك وتصوّر
الصحفي : في البدء .. في البدء نعم .. لم أستطع .. ولكن بعد تلك المعركة
الفتـــــاة : معركة ؟
الصحفي : معركة حشد لها الوقود والمجامر .. كانوا يعدّون العدة للهجوم ونعدّ
العدة للدفاع .. الكل على أهبة الأستعداد .. الجنود وفوهات البنادق التي
تترقبهم .. وعزرائيل .. عزرائيل يقف ليعطي إشارته إلى مناجله ببدء
الحصاد .. كان عليّ أن أصور المعركة منذ لحظاتها الأولى .. ساعة
الصفر بالنسبة لنا ستكون بداية شريط لن تنتهي صوره إلا بقلب يودّ لو
يثب من بين الأضلع منتفضا على أنفاس لحياة كان يودها .. ولكن ...
( وكأنه يبحث عن شيء ) أوه يا إلهي
الفتـــــاة : مابك ؟
الصحفي : الأفلام
الفتـــــاة : أية أفلام ؟
الصحفي : أفلام التصوير ...
الفتـــــاة : مابها ؟
الصحفي : لاأدري أين هي .. لقد فقدت مني
الفتـــــاة : فقدت ؟
الصحفي : لاأدري أين ... كنت مضطرا للذهاب الى المدينة لشراء بعض منها ..
ركبت عجلة عسكرية كانت في طريقها الى هناك .. فوجدته جالسا
عيناه تريد أن تلتهم الطريق فيختصر رحلته
الفتـــــاة : من ؟
الصحفي : هو
الفتـــــاة : هو من ؟
الصحفي : جندي .. أذن له الضابط بالنزول لساعات فقط كي يحضر حفلة عيد
ميلاد طفلته الصغيرة ذات الخمس سنين
الفتـــــاة : وكيف عرفت ؟
الصحفي : تبادلنا الحديث .. تمنيت لها حياة سعيدة .. لكنه أصرّ على أن أصحبه إلى
الحفلة
الفتـــــاة : وهل ...
الصحفي : وافقت .. شرط أن أقوم بتصوير الحفلة على نفقتي الخاصة
الفتـــــاة : وافق ؟
الصحفي : وذهبنا معا
الفتـــــاة : صوّرت الحفلة ؟
الصحفي : حتى نهايتها .. كنت أتمنى حياتي ببراءة طفل يبقى ضاحكا حتى الأبد ..
مثلها تماما
الفتـــــاة : جميلة ؟
الصحفي : أجمل طفلة رأيتها
الفتـــــاة : تقصد بريئة كما يجب ان تكون
الصحفي : لم تفارق مخيلتي .. حتى عندما وصلت الى الساتر .. لست أدري لماذا
رأيتها تدفع الغيوم بيديها وتنظر إليّ .. فتضحك ساخرة من ترقـّب كنا
نعيشه
الفتـــــاة : لأنها ماكانت لتفهم
الصحفي : بل لأنها كانت ذات خالصة ... النضج يوزعنا أشلاء صغيرة حتى نكونها
دون انفسنا.. شيء من تاريخ .. كرامة .. كبرياء .. ثأر .. شيء من دفاع
وهجوم حرب وسلام وأشياء أخرى كثيرة .... عندما تبحثي عن روحك
فيها تجدينك والقبر
الفتـــــاة : والمعركة ؟ بدأت ؟
الصحفي : في اليوم الثاني .. أشرقت الشمس على جثث تتشظى في الفضاء ..
وحمم يتصدع منها وجه الأرض .. وأصوات ... أصوات
رأيت ملائكة تصمّ أذنيها بأجنحتها وهي تهرب بعيدا .. تصلي كي
يعمّ الصمت .. تتوسل الى الله بأن يهبنا طوفانا آخر دون هذا الجحيم ..
صار الفضاء رصاصا .. قذائف .. شظايا .. لم يكن أمامنا إلا أن نختبئ
بمربض للدروع
الفتـــــاة : وهل صوّرت ؟
الصحفي : السماء .. ولك أن تتخيلي سماء ما عادت إلا قطعة حديد متشظية
الفتـــــاة : كنت وحدك بالحفرة
الصحفي : نظرت فوجدت أكثر من ستة جنود .. وكان أحدهم
الفتـــــاة : من ؟
الصحفي : والد تلك الفتاة .. كان يحتمي بذات الحفرة من فضاء صار مأهولا
بالموت .. ومناجيل عزرائيل تصطك فوقنا وتشتبك ببعضها حتى
صار الفضاء شبكة لايشبعها صيد
الفتـــــاة : أني أرتجف
الصحفي : في تلك اللحظة ونحن نبرك بقرب بعض .. سقطت بيننا .. أوه .. ياألهي
الفتـــــاة : ماذا ؟
الصحفي : رمانة يدوية ...
الفتـــــاة : أوه .. لا
الصحفي : أصابنا الذهول .. وأطبق الصمت .. صرت أسمع تسبيح الملائكة ......
كانت المناجل قد وجدت سبيلها الينا .. وأنا أراها تقترب وتقترب
وتقترب .. لحظتها بدأ الصمت يعمّ المكان .. في صخب الحرب لحظة
الموت وحدها تمنحك معنى الهدوء .. صمت .. لاأحد يستطيع أن يفكر
لا أحد كان يملك إرادته ليفعل شيئاً .. ومن يملك القدرة على أن يفكر ..
وفجأة .. يا إلهي
الفتـــــاة : مالذي حدث ؟
الصحفي : ألقى بنفسه فوق تلك الرمانة مختارا أن يهبها روحه قربانا لينقذنا ..
وهب نفسه حصادا لمنجل كان يحوم حول المكان .. لحظات و... و
الفتــــاة : ماذا ؟ تحدّث .. قل .. مالذي حدث
الصحفي : تشظى فينا .. قطع اللحم المتناثر منه صارت تفتح جراحا في ملابسنا
فننزف دمه الذي توزع علينا ... أكفه التي علقت على صدري ... لا..
ربما هي قطعة من قلبه .. لا .. من رأسه .. ربما .. ربما هي طفلته
مازالت تسكن أنفاسه .. ربما .. ربما .. ربما
من أين أأتي بصرخة أشقّ بها سقف السماء محتجا ...
إلهي كنا نريد أن تظل الحياة حتى الأبد طفلة تحتفل بعيد ميلادها الخامس
الفتـــــاة : مات ؟
الصحفي : مات ... محمد
الفتـــــاة : إسمه محمد ؟ كذلك اسم أبي
الصحفي : محمدعيسى يوسف
الفتـــــاة : ها ( تقف منذهلة . تتراجع الى الخلف بخطى خائرة )
الصحفي : محمد عيسى يوسف
الفتـــــاة : لا ( تستدير وتجري بالأتجاه الآخر ) لا .. ليس هو .. ليس هو
الصحفي : ( يصرخ بها ) يمامه
الفتـــــاة : ( تلتفت اليه مستغربة ) ها
الصحفي : أجل أعرف أسمك ... مانسيته يوما
الفتـــــاة : لاتقل ... لاتقل لي ..
الصحفي : أجل
الفتـــــاة : لا ليس
الصحفي : هو ...
الفتـــــاة : ليس هو .. ليس أبي .. فأنا مازلت أنتظر .. مازال مفقودا .. لكنه سيعود
قالت لي خالتي أنهم لم يجدوا له أثرا بين الأطلال .. ربما أخفته أحد
السواتر الى حين.. إلى حين ويعود .. يا إلهي أنا لم أعشق بؤسي إلا كي
يأتي ويمسحه بيديه عن وجهي .. لا ليس هو ... لم يمت .. لم يمت
الصحفي : لقد بقيت زمنا طويلا محتفظا بدموعي كي أبكيه بين يديك .. أين كنت
سنين طويلة وأنا أبحث عنك
الفتـــــاة : لا ليس أنا
الصحفي : عندما ذهبت الى البيت وجدته بقايا قصف .. سألت عن الجميع .. قالوا
أنك الوحيدة التي لم يعثروا على جثة لها
الفتـــــاة : لا ليس أنا ... والدي سيعود .. أجل سيعود
الصحفي : يمامه
الفتـــــاة : كفى
الصحفي : يمامه
الفتـــــاة : كفى ... أتمنى أن أنسى إسمي وأسمه كي أظل أبدا طفلة تنتظر أبيها ...
أبي لايكفي أني أحيا دونك .. هاهي الأقدار تحرمني حتى من وجع
انتظارك .. بماذا أعلل النفس الآن وروحي ماعشقت الدنيا إلا كي تراك
( تنفجر من مكانها منتفضة ) لا ليس هو ... ليس أنا
الصحفي : أنه أبوك
الفتـــــاة : لا
الصحفي : أبوك
الفتـــــاة : ليس أبي ... ماكان أبي ليموت دون أن يترك لي شاهد قبر استظل به
الصحفي : يمامه
الفتـــــاة : أرجوك كف عني .. هي حياة واحدة فكم ميتة قدر لي فيها
الصحفي : يمامه
الفتـــــاة : كيف لي أن اكونها .. كيف أكون يمامه .. وأجنحتي أحترقت بجحيم ما
أسمع ... كيف أطير وبحر دمع بعيني ...
( تقف .. تمسح دموعها .. ثم بأصرار )
لا ... سيأتي ... يوما ما سيأتي ..
الصحفي : يمامه اسمعيني ..
الفتـــــاة : أسمع ماذا ؟ ليس عندي المزيد لتزف لي خبر وفاته
الصحفي : ( يخرج الصور من حقيبته ) أنظري
الفتـــــاة : أنظر ماذا ؟
الصحفي : أنظري جيدا
الفتـــــاة : صورتي ..
الصحفي : كلا ... أمك ... صورة
الفتـــــاة : من ؟
الصحفي : أمك
الفتـــــاة : لا .. لا ليست أمي ربما تشبهني .. تشبهني وحسب
الصحفي : انظري إليها .. تأمليها
الفتـــــاة : ليست
الصحفي : أنظري إليها
الفتـــــاة : كيف ؟ كيف تكون أمي وعزرائيل أعجزها في أن تضمني إليها بموت يجمعنا معا ..
الصحفي : أنظري هذه .. هذه صورتك معها .. وهذا هو الوشم على رقبتك ..
الوشم الذي قادني إليك ... إنها أمك
الفتـــــاة : حقا .. ومالذي تريدني أن أسألها ...
( تسخر منه وهي تأخذ الصورة وتحاكيها )
ماما .. أريدك أن تخيطي لي بدلة للرقص
الصحفي : يمامه
الفتـــــاة : ولتكن خليعة بعض الشيء
الصحفي : يمامه
الفتـــــاة : أمي كيف تبدأ المومس رحلتها؟
الصحفي : يمامه .. يجب أن تتذكري .. مستحيل أن تموت فيك الذاكرة
الفتـــــاة : وهل كان عندي ماأتذكره حتى يموت
الصحفي : يجب أن تتذكري
الفتـــــاة : أرحمني ... قلب واحد أصغر من أن يحتمل كل هذا الحزن
الصحفي : أنظري .. ( يضع أمامها صورة )
الفتـــــاة : لا .. لاتقل
الصحفي : أجل
الفتـــــاة : لا
الصحفي : خطيبك .. أجل خطيبك .. أتذكرين أسمه
الفتـــــاة : هل تسخر مني
الصحفي : كان يقاتل وهو مجرد طفل صغير كي يبقي الأبواب مفتوحة لفرح يملؤك
بالضحكات ...
( يتجه الى اعلى منتصف المسرح وهي في مكانها تتأمل الصورة ..
يرفع صوته .. وكأن الصوت يأتي من فضاء بعيد )
عيناك لو أطبقت أجفانها لحظة فهي ترفض أن يشرق فيها نور الرؤية
إلا ووجهه يملأ الأحداق .. الكون يصمت .. يصمت .. وصوتك وحده
يملأ الآفاق وأنت تناديه
الفتـــــاة : آآآآآآلد .. كان يجزع .. لو .. لو دمعة واحدة سقطت من عينيّ ..
يجمع كل النبقات التي أسقطتها الريح ويضعها في حجري ..
يجعل من دميتي ملكة وكل دماه عبيد يطوفون حولها ...
كان يضع وسادته قرب سريري يحرس أحلامي حتى يغلبه النعاس
فيأخذوه الى منامه.. وفي الصباح .. أفز مرعوبة على صوت بكائه
فأبكي .. كنا نهاتف بعضنا بالبكاء .. خالد لماذا لاتغادر صورتك الي ...
فأنا مازلت حتى الآن انتظر إكليلي منك ... لماذا أخذته كفنا وتركت
عروسك تطرق أبواب ليلتها بثوب حداد
الصحفي : ( يخرج من حقيبته مجموعة من الصور ... يمد يده إليها ) خذي
الفتـــــاة : ماهذه ؟
الصحفي : صور الحفلة .. احتفظت بها زمنا طويلا لأني كنت واثقا من لقائي
بك يوما ما
الفتـــــاة : ( وهي تمد يدها مترددة ) أن يدي
الصحفي : خذيها
الفتـــــاة : أن يدي لاتسعها جميعا ( تسحب يدها )
الصحفي : إفرشيها على الأرض
الفتـــــاة : لا
الصحفي : إفرشيها ... تأمليها .. واحدة تلو الأخرى .. هي أنت .. حياتك في
هذه الصور .. إفرشيها
الفتـــــاة : هاأني أفرش أشرف سجادة على الأرض لأصلي بها حزني
فكيف أبدأ التكبير
الصحفي : كبري
الفتـــــاة : كيف أبدأ التكبير
الصحفي : كبري
الفتـــــاة : وجعي أكبر وجعي أكبر ... ألمي أكبر ألمي أكبر
أشهد أن لاأب لي إلا أنت ... أشهد أن لاأب لي إلا أنت
أشهد أن لاأم لي إلا أنت ... أشهد أن لاأم لي إلا أنت
( تحمل صورة الصغير )
حيّ على ذكراك قلبي ... حي على ذكراك قلبي
ضعيفة أنا أمام كل مواجعي ..
لقد أوصدت كل الأبواب ولم يبق إلا باب العهر .. يتخم الأراذل بجوعنا
فيتناسلون ونموت ... خالد من أين أأتي بطفولتك لأحتمي بها من رجولة
هذا الزمن الأرعن ..
( تنظر الى صورة أخرى )
أمي إني أنضج حزنا قبل أواني فأقرصي أذني ... أقرصيها كي أتذكر بأني
مازلت طفلة ... وأن زمن ضحكي لم ينته بعد ...
( تنظر الى صورة أخرى )
أبي ... أبي كنت أسأل نفسي لماذا عيناي تفيض بالدمع ... وها أنا أرى
دمعي في عينيك ... سعيد كنت بي حتى فاضت عيناك فرحا .. أينك الآن
أبي ... أينك الآن
الصحفي : أنظري اليها ... إنها تشبهك
الفتـــــاة : هي أمي
الصحفي : عندما رأيت صورتك في المجلات .. وهذا الوشم الذي في رقبتك ..
أيقنت أنها أنت ... أنت يمامه .. أتيتك وأنا أحمل وجع سنين البحث عنك
قيل لي أنك دخلت المنطقة الحمراء كي تبدأي مشوارك من هنا
الفتـــــاة : أوه .. اللعنة .. لقد أستدرجت
الصحفي : أتيت كي أسلمك الأمانة
الفتـــــاة : كي تسلمني قدرا ما كان ينبغي أن أنساه
الصحفي : أدركت بأنك ستعرفي قدر نفسك من خلالها
الفتـــــاة : ( تنظر الى الصور ) هي أمي
الصحفي : أجل كانت رائعة
الفتـــــاة : أمي ... أمي كانت تغار عليّ من النسيم فتستر جسدي بالدثار .. مازالت
صورتها برأسي وهي تتلو القرآن بالدموع
( صوت أبواب تغلق .. الصحفي والفتاة ينهضان وهما ينتبهان الى
الجلبة الناتجة عن إغلاق الأبواب تباعا الواحد تلو الآخر )
الصحفي : لقد أوصدت الأبواب .... قريبا ستشرق الشمس
يجب البحث عن منفذ لإنقاذك
( الصحفي يبحث في الأرجاء وخطاه متعثرة ... الفتاة تنظر إليه )
لابد من وجود منفذ ..
الفتـــــاة : ليس هناك ثمة منفذ ...
الصحفي : لا .. لا ... لابد من وجود منفذ .. لابد ...
( يبحث بشكل هستيري .. حتى تتعثر خطاه ويهوي إلى الأرض )
الفتــــــاة: ( تركض باتجاهه ) ما بك ؟
الصحفي : لاأدري ... وكأن جسدي يجف ... ( يتجه الى إناء الماء ... يشرب )
الفتـــــاة : ها
الصحفي : أمر غريب ...
الفتـــــاة : لقد أوصدت الأبواب ... وأغلقت المنافذ
الصحفي : لابد من وجود سبيل
الفتـــــاة : سبيل واحد
الصحفي : أخبريني أين السبيل و....
( الفتاة تكشف عن رقبتها ... تقترب منه )
لا ... لا
الفتـــــاة : إنه محق .. لاسبيل إلا عبر أنيابك المغروسة في عنقي
الصحفي : لا ... لا .. لم أدخل منطقتهم الحمراء هذه وألتقيك هنا لأفعل ذلك
الفتـــــاة : هل تريد أن تقول
الصحفي : أجل ... أتيت لأجلك
الفتـــــاة : ولكن أنت ..
الصحفي : لم أكن واحدا منهم ... ليس قبل هذه الليلة ... ماكنت أستطيع الدخول الى
منطقتهم الحمراء الا بالإنتماء إليهم ... كانت مسؤوليتي أن أضع
تأريخك نصب عينيك
الفتـــــاة : ومنحتهم رقبتك ؟
الصحفي : شرط أن تكون مهمتي الأولى في العمل معهم كصحفي هي الإشراف
على حملتك الدعائية التي يفترض أن ينظموها لك ... وافقوا ... كان
طلبهم أن أجعل منك فضيحة أخلاقية كي يعتاد الناس عليها كسلوك
لنجمة تكونيها فيتماهى معك جيل بأكمله ...أرادوا أن تكوني مثلا .....
مثلا .....
الفتـــــاة : داعرا
الصحفي : أبدا لن تكوني كذلك
الفتـــــاة : تظن ذلك
الصحفي : بل يجب ذلك
الفتـــــاة : لقد أوصدوا الأبواب
الصحفي : سنجد منفذا لاتخافي ... لابد من وجود منفذ
الفتـــــاة : عبثا تحاول
الصحفي : سأحاول
الفتـــــاة : عبثا
الصحفي : سأحاول .. لم أفعل كل ذلك لأستسلم أخيرا
الفتـــــاة : لقد أحكموا إغلاق الأبواب
الصحفي : لابد من وجود منفذ
الفتـــــاة : (يلتقيان في منتصف المسرح )
قبلني ..
الصحفي : ( متفاجئا ) ها
الفتـــــاة : قبلني
الصحفي : هل جننت
الفتـــــاة : سأكون كذلك لو تركتك تموت
الصحفي : لم أعش حياتي لأرثك موته
الفتـــــاة : الدماء تتعفن خارج شرايينها .. وأنا شريان دمه هو فكيف لي أن أختار
موتا دون إرادته ... لقد وزع دمه على أجسادكم كي يرشدني إليكم بها
فأطرد موتا يطاردكم
الصحفي : لا منذ البدء .. هي معركتي أنا
الفتـــــاة : نحن نصلب بالموت أختيارا .. أننا عائلة تكره أن ترى أرواحكم معذبة
بحاجتها الى قربان فلا تفتديها
الصحفي : كفي عن الهذيان ... اسمعيني يجب أن تخرجي قبل أن يرعبك وجهي
الآخر الذي لاأعرف كيف سيكون ... عليك أن تنقذيني .. أرجوك
الفتـــــاة : قل لي كيف وسأفعل
الصحفي : كوني يمامه وأنطلقي ... أجمعي ماتبقى من جناحيك وأنطلقي
الفتـــــاة : وتظل هنا ... وحدك .. لا.. قبلني .. سأظل معك ... قبلني
الصحفي : يمامه .. إن أجنحتك التي تسبح في فضاء حلم ممكن .. ستجعلني قادرا
على أن أسخر من كوابيسي هنا .. أنقذيني .. وأرحلي
الفتـــــاة : قبلني ... سأظل معك
الصحفي : مازال دمه يجري في عروقك .. فأتركيه يتدفق خارج هذا الأسر اللعين
الفتـــــاة : معك .. سأظل معك ... قبلني
الصحفي : أنقذيني
الفتـــــاة : سأفعل .. سأفني روحي خارج شراييني .. عسى أن تجد في دمي أنفاسك
الصحفي : ( ينتفض غاضبا عليها ) لن أفعل .. أبدا لن أفعل
اللعنة .... عشرون عاما ... عشرون عاما وأنا أعيش حياتي في
المسافة المحصورة بين رصاصة وأخرى .. وكان حضورك في ذاكرتي
هو هدأتي بين جسدي ومسارات الرصاص إليه ..
صدقيني ما كنت أحلم بميتة مثل هذه .. ماكنت أحلم بموت يجمع كلي إليّ
.. لقد لملمت روحي لأجلك فلا تبعثريها عبثا
الفتـــــاة : لقد أحكموا شراكهم فكيف ليمامة مثلي تنازلت عن أجنحتها للرذيلة أن
تطير مرة أخرى ... لا ماعدت أحلم بذلك ... إنك تعذبني ... خذ قبلتك مني
( صوت عصافير من خارج المكان .. الصحفي ينتبه )
الصحفي : أسمعي ... ( يتجه الى الخلف ) عصافير ... الآن أستيقظت الشمس
علينا أن نفكر بطريقة لخلاصك
الفتـــــاة : قبلني ... هذا خلاصك وخلاصي
الصحفي : لا ... لن أدعك تفعلين ذلك ... ( يصرخ منفعلا ) لن أخسرها ..لن
أخسرها ... هل سمعتِ ... لن أخسرها
الفتـــــاة : تخسر ماذا ؟
الصحفي : الحرب
الفتـــــاة : أية حرب ؟
الصحفي : الحرب روح تنفستها ... وبقيتها بعد الموت .. هناك أمام الله ستكون
معركتي الأخيرة .. فدعيني أأخذ من الحب مايكفيني عتادا كي لاأهزم
الفتـــــاة : ولكن ...
الصحفي : ( يقاطعها ) كوني يمامه .. وانطلقي ... لاتخذليني بك
( يرفع ستار الشرفة في الخلف ... يظهر ضوء ساطع .. يترك الستار
وهو يصرخ ماسكا يده ... هي تجري بأتجاهه )
الفتـــــاة : ماذا ؟ مالذي حدث ؟
الصحفي : يدي ... أحترقت .. الشمس
الفتـــــاة : أرأيت ... لامنفذ للخارج ... تصرف وأنهي ليلتنا اللعينة هذه
الصحفي : سأتصرف .. سأنهي هذه اللعنة
( الفتاة تقترب منه .. ترفع شعرها عن رقبتها .. الصحفي يقترب منها
فجأة يفتح الستار .. ويدفع بها خارج النافذة والدخان ينبعث منه )
أهربي ... أهربي .. وتذكري الصغير ... إنه يرمي دثاره ويلم أطرافه
فيصير مثل كرة صغيرة ... ضعي كل مايصيره تحت إبطك .. لايخيفك
نبضه الضعيف ... فقط عانقيه .. عانقيه كي لايموت ... الموت يٌهزم
بالعناق ...
الفتـــــاة : ( صوتها من خارج المسرح والدخان يتصاعد من الصحفي الذي
يتهاوى )
إلهي ... كنا نريد أن تظل الحياة حتى الأبد طفلة تحتفل بعيد ميلادها
الخامس..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
سرحيــــــــــة وللحـــــرب بقيـــــة تأليـــــف عبدالخالق كريم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
طلبة معهد الفنون الجميلة :: الاقسام الفنية والثقافية :: نصوص مسرحية-
انتقل الى: