طلبة معهد الفنون الجميلة
مرحباً بكم في معهد الفنون الجميلة في الديوانية


نتمنى للاعضاء قضاء اجمل الاوقات برفقتنا



طلبة معهد الفنون الجميلة

اهـــــــــــــــــلآ وســــــــــــــهلآ بكم في طلبة معهد الفنون الجميلة هذا المنتدى الى جميع لطلبة معهدالفنون الجميلة و الفنانون الموهوبون والى من يحب معنى الفن وعرض نشاطاتهم
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 هولاكو على الباب ينتظر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفنان مصطفى الخالدي



المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 11/01/2012

مُساهمةموضوع: هولاكو على الباب ينتظر   الخميس يناير 12, 2012 6:30 pm

اللـوحة الأولى
هولاكو على الباب ينتظر

الحكاية مفترضة ولم تستفد من الواقعة التاريخية لاجتياح بغداد إلا اسم هولاكو، واسم الخليفة العباسي، واسم العلقمي ،أما شخصية الخطيب البغدادي فهي شخصية متخيلة لا وجود لها على ساحة الحقيقة، وهي شخصية مفترضة .. والمسرحية في حد ذاتها تقارب الواقع المعاش والراهن اليومي
المعاصر وتخدشه بعمقه وبصلب علاقاته المختلفة .
الزمان : زمن آخر خليفة عباسي.. زمن مفترض يشبه كل الأزمنة التي تليه
وحتى اليوم .
المكان : بغداد .. قاعة الأنس في قصر الخليفة العباسي / المستعصم / ..
المنظر : ثلاثة كلاب في وضع استعداد يقفون ويراقبون الحاشية.. بعض الجواري
يرقصن وأخريات يقدمن الشراب للحاشية ،والمغنية ( عزة ) تطرب بغنائها
الحضور، ومن خلفها التخت الشرقي يرافقها بالعزف والإيقاع..
عزة : ( تقول شعراً ثم تغنيه)*
اللازمة
يا من أعـار الليل للغصون من لي برؤيا وجهك المصـــون
دور
بدر تبدّى من ستور الحجب يسعى بشمس رصِّعت بالشهب
نشـوان عذب الـراح عنه تنبي والنــور يخفيـها عن العيــون
دور
ما العمـر إلا مـدة الربيـــع حسن ذاك المـنـظر البديع
والشرب مع ذات الخبا المنيع لـذة أنـس فاتـر الجفــون
ـ يبدو الخليفة والخمرة قد نالت منه..يترنح..يضحك ويشاركه الحضور الضحك
الخليفة : ( في هذيان ) ما العمر إلا مدة الربيع !..إيـه .. إيـه !.. فسحة قصيرة !
كلنا إليها .! اليوم خمر وغداً أمر!.. إيـه يا عزة ! .. غناؤك مثل خمرة
امرأ القيس! إيـه دنيا إبنة حرام !. اليوم خمر وغداً أمر!..الرحمة عليك
يا امرأ القيس.. اليوم خمر وغدا أمر .. طز
( يضحك ..يمد يده إلى صدر إحدى الجواري.. )
أنا الخليفة العباسي..أمير المؤمنين..أنت من ؟ مجرد صعلوك من كندة
عربي قحطانيٌّ..أضاع مُلك أبيه وأجداده..لم ينصروك..قتلوك.. قتلوك
بقسوة ، ودفنوك في بلاد بيزنطة .. هناك لا خمر ولا أمر.. اليوم الخمر
وغدا أمر ..
( يرتشف عدة كؤوس من الخمرة..يحاول الوقوف لكنه يقع..تتكرر المحاولة
أكثر من مرة حتى يستوي بالوقوف وينشد بيتا من الشعر للمتنبي.. )
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
أنشدي لي يا عزة .. أنشدي هذا البيت الذي كرهت صاحبه حتى العظم ..
( يجلس في مكانه .. تتقدم المغنية عزة منه وهي تنحني بإجلال ،وتحيي بالغناء الخليفة )
تحـيـة لسيـدي الأمـيـر
تَعبقُ بالإعظام والتوقير
حييت ياذا الصَّبا النضير
والحسن في روائه المنير
( ثم تبدأ عزة غناء بيت شعر المتنبي )
ـ بعد الانتهاء من الغناء .. فترة سكون قصيرة تسود ..يبدأ الخليفة حديثه كمن يهذي
الخليفة : حتى أنت أيها المتنبي..طز !.ها هي بغداد محاصرة..أين خيلك و رمحك
وسيفك وما نفع القرطاس والقلم في هذه الأوقات ؟..كرَّهت سيف الدولة
بابن عمه.. ما الذي فعله أبو فراس لك..؟ وحتى العبد الإخشيدي حاكم
مصر..اشتريته بعصاً أنسيت ما قلته ؟..لا تشتر العبد إلا والعصا معه!
يا سلام لو أنك قلت : الخمر والليل والنساء تعرفني ...أجل !.. كان
الأحرى بك أن تقول ذلك
( يضحك و يكرع كأس الخمرة بسرعة تم يتابع الكلام )
أعرف لم فعلت ذلك أيها المتنبي !.لتبدد خيبتك حين أذلك بيت شعرك هذا
فقتلك صعلوك يشبهك..إيه دنيا ملعونة، و زمن خائب..إيه دنيا يا متنبي !
( يضحك..ثم فترة سكون قصيرة )
أتعرف لِمَ أنا أضحك أيها الخائب ؟..أضحكُ من خيبتي التي أجرَّها أمامي
لا خلفي ..إنها تشبه خيبتك تماما ( يضحك ) اضحك أيها المتنبي!..اضحك! حتى يبان السن !..اضحك ولا يهمك !
( كمن يخيل له أن المتنبي يشاركه الضحك )
على ماذا تضحك ؟ أتضحك على خيبتي ؟! أم على خيبتك ؟!أم على خيباتنا معاً ؟ أنت ! أنت مثلاً ..نعم أنت ولا أحد سواك ! زعمت أنك مالئ الدنيا وشاغل الناس ..أي ناس تلك التي شُغلت بك ؟.. طز ! ماذا أقول أنا ؟!.. وأنا حكمت وأحكم الدنيا من مشرقها لمغربها ومن نهرها لبحرها ، وشغلت أمة الأرض قاطبة .. طز وألف طز .. بغداد الأزل بين الجد والهزل .. نعم بغداد الأزل بين الجد والهزل .. هي تنتظر.. تنتظر من ؟ هل تعرف بغداد تنتظر من ؟ أعرف أنك تعرف أو لا تعرف..هذا غير مهم ! فالأمر بالنسبة لي سيان. هي اليوم تفتح ذراعيها لهولاكو! نعم هـولاكو ( يضحك ) تنتظر هولاكو أن يدخل فيها ..أجل بغداد الأزل بين الجد والهزل تنتظر! الليلة أوغدا ليغتصبها..( يضحك ثم يبكي ) أعدكم أيها الكلاب أن هولاكو سيدخلها الليلة أو غدا.. ( يصرخ ببكائية ) كلاب .. كلاب أنتم .. كلاب هم ..كلاب نحن .. جميعنا كلاب .. أنهضوني أيها الكلاب ..أنا خليفة هذه الأمة أنسيتم ذلك ؟..كلاب !..كلاب!..
( يهرع الكلاب إليه ويساعدونه على الوقوف حتى يستوي ثم يبدأ بالبكاء وينشد )
" أرى الأرزاءَ مسرعةً خُطاها ونحن إزاءها نمشي الهُوْينا
إذا لـم نسْبِق الأحداث وثباً تَصَـلًّيْنا لظـاها فاكـتوينا "
( يفهق ..ثم يكرع كأسا من الخمرة دفعة واحدة )
صحيح !..ياالله ! ..لم يعد حتى الوثب قادراً على إدراك نجاتنا
( صخب يعلو ..أصوات تصل إلى داخل القاعة ..يتفرد أحدها )
الصوت : " الخُلْفُ والحكمُ المُهَجَّنُ والهوى والبغْيُ تستعدي علينا الغاصبا
مولاي إن لم تنضُ عزمك أوشكت هذى النوازلُ أن يكنَّ معاطبا "
الخليفة : ( بصراخ ) اخرسوا هذا الصوت ..أخرسوه ..بغداد تحتضر ..كلاب
الصوت : " إن الأمور تخبُّ مُثقلةً إلى شرٍ تموج به البلادُ مصائبا "
الخليفة : أخرسوا هذا الصوت .. أسكتوه ( يرد على الصوت شعرا مهددا )
حذار فقد يستثار الحليم وقد يثب الأسـد الجاثم .
الصوت : فما ذاد عن ملكٍ تاجُه ولكن رعيتُه المخلصونا .
الخليفة : أخرسوا هذا الصوت .. أسكتوه ..بغداد تغتصب .. كلاب ( للحاشية )
أخرجوا جميعا..( إلى المغنية عزة ) إلآك يا عزة ..
( تخرج الجموع من القاعة عدا المغنية عزة والكلاب..الخليفة يكلم نفسه باضطراب )
الكلاب هم ..أنا الخليفة
( يخلع القلنسوة من على رأسه ويكلم عزة )
عزة ..انظري رأسي .. ولون شعري
عـزة : ( بحياء ) مولاي الشيب غزاك ..
الخليفة : ( متابعا وعلى مضض ) وهل الشيب عار يا عزة ؟
عـزة : ( بارتباك لا تعرف الإجابة ) !
الخليفة : ( يكرر السؤال ) وهل الشيب عار يا عزة ؟!
عـزة : ( بارتباك زائد ) لا ! أبداً يا مولاي !.. بل هو وقار ..
الخليفة : (بحزن عميق ) هذا ما فعلته الأمة برأسي ؟ أتوا بيَّ خليفة وأنا كاره لها
ألبسوني الجبة والقفطان والسروال والعباءة ،ورصعوا أصابعي بالخواتم
الذهبية والجواهر، ولفوا عنقي بالزمرد والألماس والعقيق ،ثم نادوا البيعة
باسمي في كل جوامع الدنيا ، وبايعوني خليفة ابن خليفة، وصكوا النقود
باسمي ،وملؤوا الخزائن فوق الأرض وتحتها ثم قالوا لي :
أنت خليفة الله على الأرض ..
( يملأ كأسا من الخمرة ويشرب )
من الذي أتى بهولاكو ؟ ..هم!. صدِّقي يا عزة هم !.الأخوة الأعداء هم الكلاب هم .. هم أوصلونا لهم..هم باعونا لهم..لا فرق من كانوا ؟ استباحوا الأمة..حاكوا المؤامرات.. دسوا الدسائس..نصبوا الكمائن ..غدروا بالأخوة وبالأعمام ، وهم خائفون الآن ..على ماذا هم خائفون ؟ على هذه الأمة.. أم على مصائرهم..لا أدري يا عزة ؟ ( يتكئ على كتف عزة) آه ..آه يا عزة لا أريد لليل أن ينجلي ..بت أخاف الليل صديقي ومؤنس وحشتي أن يرحل وترحل معه الحقيقة،والحقيقة لا تموت أبدا..لكن نخافها لأننا ضعفاء..جبناء..أنذال..نعم أنذال..الحقيقة كما الشيب الذي غزا رأسي كله،
ولكن الشيب ليس عيبا ..العيب فينا ..أنا كاره للخلافة ..كاره لها.. أنا لا أصلح لها أصلاً ..( يبكي بحرقة ) واليوم بغداد تحتضر !..طز ! لتسقط بغداد ..لتسقط بغداد ..فلست أول خليفة غزا الشيب رأسه ولا آخر خليفة سيغزو الشيب رأسه ..
عزة : ( وهي تشاركه البكاء ) مولاي !.مولاي على رسلك..هون عليك يا مولاي!
بغداد تنتظرك لتأخذ بيديها وتنتشلها من الغرق ..
الخليفة : رحم الله الخليفة المستنجد بالله يوم قال :
عيرتني بالشيب وهو وقــار ليتها عيرت بما هو عار
إن تكن شابت الذوائب مني فالليالي تنيرها الأقمار
تالله لست بغافل .. ليسمعوا:
أيحسبونني غافلاً !..إنها لتغفُلُ عيني والدمع مدرار
عـزة : ( وهي تمسح الدمع عن خدي الخليفة وتنشد غناء أبيات الشعر ) ..
عيرتني بالشيب وهو وقار ليتها عيرت بما هو عار
إن تكن شابت الذوائب مني فالليالي تنيرها الأقمار
( بعد الغناء ..ثم فترة سكون قصيرة .. تخرج عزة مودعة الخليفة )
عـزة : مولاي وقرة عيني .. هل يأذن لي بالخروج ؟
الخليفة : قد لا أراك ثانية .. ولكن اعلمي إني رجل أحبك بمقدار كرهه للخلافة
( تبتعد عزة خارجة والدموع تسبقها .. الخليفة يزداد نحيباً )
الصوت : ( من جديد ) ما مصيبة هذه الأمة لتبلى بخليفة ضعيف مثلك ؟
الخليفة : أنا ..أنا ضعيف أيها الطامع !
الصوت : أنا لست بطامع .. بل أنا ناصح !..
الخليفة : أنت..أنتم جميعا !
مطمع المعتدين إذا هم على غدرة أجمعوا
الصوت : أتى بك الأعوانُ الغُرْبُ وأخذوا
بالإغراءِ و النساءِ والرقصِ واللهوِ
الخليفة : اخرسوا هذا الصوت .. أسكتوه ..هم أتوا بيَّ كارها
( يختفي الصوت )
مصيبة ! من هو صاحب هذا الصوت ؟.أريده في الحال أن يمثل أمامي
أيها الحاجب..( يدخل الحاجب .. ينحني )
الحاجب : أمر مولاي مطاع
الخليفة : من هو صاحب هذا الصوت ؟
الحاجب : إنه إمام جامع دار السلام في بغداد يا مولاي
الخليفة : أرسل في طلب "دويدار" قائد الشرطة والجيوش في الحال
( يدخل الوزير العلقمي بسرعة )
الخليفة : ( ببكائية ) تعال .. تعال يا وزيري المخلص وأخبرني
العلقمي : أخبركْ !..أخبرك عن ماذا يا مولاي ؟
الخليفة : من هو إمام جامع السلام ؟
العلقمي : انه من بطانتكم ومن الموالين لبني العباس .. انه الشيخ البغدادي
الخليفة : المعلم البغدادي! أستاذ أبي العباس ابني..معقول! لا أصدق ؟كيف يتجرأ على خليفة المسلمين وينعته بالضعيف؟!
( يرفع من حدة صوته لدرجة الصراخ )
أنا الخليفة الضعيف !
( يلتفت نحو الكلاب التي تبدو مستعدة لأي طارئ ثم
يرمي لها ببعض قطع اللحم ..الكلاب تعافها ولا تأكلها )
الحق معكم !.انظر يا علقمي إلى تلك الكلاب المخلصة الطيبة ..
(يتكلم مع الكلاب بحنان )
انتم كلاب ذواقة..هذا اللحم المشوي والمحشيُّ لا تستسيغه معِّداتكم..
أعدكم بوجبة دسمة!..كلاب ذواقة.!على الرغم من قذارة أنوفها هي تميز وتتذوق ما تريد( يكلم العلقمي ).أ.كيف وجدت هذه الكلاب يا علقمي ؟
العلقمي : طيبة ومخلصة يا مولاي
الخليفة : وأنت يا علقمي ؟
العلقمي : مخلص مثلها يا مولاي !..بل أفوقها إخلاصا
الخليفة : معقول!. لا أصدق ؟!.
( يشير بسبابته نحو الكلاب..ثم يلتفت إلى العلقمي بسخرية )
لا بأس عليك ..أنت أيضاً كلب مخلص
العلقمي : بل شديد الإخلاص
الخليفة : كيف ؟ أثبت لي ذلك
العلقمي : كنت قد حذرتك من المعلم البغدادي مرارا يا مولاي ,وأنت لم تبال!
( يتجاهل سؤاله..يحاول أن يمشي..يساعده الوزير على السير لخطوات قصيرة )
الخليفة : يبدو أن ساقيَّ ضعفتا ولم تعدا تستطيعان حملي يا وزير
العلقمي : ( بنفاق ) خسئت تلك التي لا تستطيع حملك وأنت من يحمل على أكتافه
امة تمتد من الشرق إلى الغرب يا مولاي ..
الخليفة : ( منبها ً) إنهما ساقاي يا وزير !
ساقاي اللتان تحملاني وتحمياني من السقوط.. انتبه يا وزير !
العلقمي : ( بحياء كاذب) عفوك يا مولاي..لشدة حبي لك وإفراطي في خدمتك
وخدمة الأمة لم استطع التمييز بين من يحملك ويحميك من السقوط ،
ومن يعاديك..حتى ساقاك يا مولاي حسبتهما تعاديانك..هل تشكك فيما
أقول يا مولاي ؟
الخليفة : لا ..أنت مخلص بل وأكثر إخلاصاً من هذه الكلاب لمولاك يا علقمي ..
فلولاك لا أعرف الكوع من البوع ؟
العلقمي : ( بخبث ) ومع ذلك حذرتك من أمثال البغدادي وأفكاره التي تسمم عقول
العامة
الخليفة : البغدادي ثانية يا وزير! ( متأففا ) أف.. يا وزير!..يا وزير!
لم تكره هذا الرجل قبل أن تعرف خيره من شره ؟
العلقمي : وقنا من شره يا مولاي!.هو ذا يحرّض العامة على الخليفة والخلافة
في الوقت الذي فيه بغداد محاصرة بجيوش المغول،وأنت الآن من اتهم
البغدادي يا مولاي !
الخليفة : إذا ثبت ما يشير إلى أن البغدادي هو صاحب الصوت المحرض ..
( ينظر إلى الكلاب وهو يتصنع الحنان عليها )
الكلاب المسكينة ..هي جائعة تنتظر يا وزير!..إنها كلاب ذواقة على
الرغم من قذارتها ( للعلقمي يناوله قطعة لحم مشوي ) خذها هي لك..
أتحب الشواء يا علقمي؟
العلقمي : نعم ومن لا يحب اللحم المشويِّ يا مولاي ؟
الخليفة : ( ينظر نحو الكلاب ) كلابي..هي لا تستسيغ المشوي بل تفضل عليه
النيئ ( بانفعال ).. لقد تأخر الدويدار..أريد الدويدار في الحال !
العلقمي :هي حجته ..إعداد الجيش وإحكام الأمن في بغداد أخراه عن الحضور
( يدخل الدويدار مسرعا وهو يلهث والتعب باد عليه )
الخليفة : ( يتصنع الهدوء وبمكر يسأل ) ..لقد تأخرت يا قائد جيشنا و شرطتنا ..
الدويدار : كنت أشرف على تحصين الباب الشرقي والجسر الممتد بين الوادي
والسورين
( يميل العلقمي نحو الخليفة ويهمس له )
العلقمي : هي حجته..ألم أقل لك يا مولاي
الخليفة : ( الخليفة لا يعير اهتماما لقول العلقمي ) ها..عظيم ! إذاً.. كيف ترى التحصين ؟
الدويدار : رائع !..ومع ذلك يبقى الباب الشرقي لبغداد مكمن الخطر ..
الخليفة : مكمن الخطر !
الدويدار: ( وهو ينظر للعلقمي في ريبة ) أحسب إن لم تقع خيانة ما ..
الخليفة : خيانة !
الدويدار : إن لم تقع الخيانة !..سوف تصمد بغداد طويلا وخاصة أن الشتاء يقترب
وموسم الأمطار والعواصف والعجاج الذي يعمي الأبصار،ويخنق المرضى
الخليفة : وجيوش هولاكو ؟!
الدويدار : ستندحر ولن تصمد على الانتظار طويلاً,وسيعود هولاكو مع جيوشه من
حيث أتى ..
العلقمي : ( بخبث يشكك ) وإذا لم تصمد ودخل هولاكو بغداد.. ما هو العمل
يا قائد الجيش ؟
الدويدار : سوف نقاتل والشعب معنا ..
العلقمي : نقاتل..نقاتل من؟! هاهي القلاع سقطت واحدة تلو الأخرى وآخرها قلعة
ميمون الحصينة, وكذلك المدن والبلدان استسلمت بل ودمرت بعضها عن
بكرة أبيها لأنها قاومت، وبغداد لا أعتقد هي الأخرى قادرة على الصمود ؟
الدويدار : ( بحنق ) ما الذي تريد قوله ؟..هل ترغب في تسليم بغداد ؟
العلقمي : ( بنفاق ) لست أنا من يسلم بغداد..فقط أقدم النصيحة..السلام مع
المغول أفضل
الخليفة : ( وقد بدا يعود لرشده من أثر الخمرة ) السلام !..كيف ؟
العلقمي : ( في خبث ) تكتب يا مولاي لهولاكو برضاك واختيارك كتابا تتنازل فيه
عن الأراضي والمدن والقلاع التي احتلها في طريقه إلينا ؟
الخليفة : أنا أكتب صك التنازل لهذا الواطي وأنا خليفة الدنيا !
العلقمي : بالعذر منك يا مولاي!( يرفع القلنسوة ويحك قرعته )
هذا الكلام لم يعد يجدي وهولاكو على باب بغداد ينتظر
الدويدار : ( كالملدوغ ) آه ..ماذا تقول أيها الشيطان ؟!. ما الذي حبكته وخبأته ؟
الخليفة : ( بانفعال مصحوب بالتوتر والخوف..يتلعثم بالكلام ) هـ..هولاكـــ..وعلى
الباب ينتظر!!..ينتظر من يا دويدار ؟
الدويدار : يا مولاي !..إنه يكذب
العلقمي : ( بانفعال ) أكذب !..( بتودد للخليفة ) مولاي هل سمعت مني كذبا
الخليفة : ( مقاطعا بغضب ) لا .. إنه لا يكذب يا دويدري! إنها الحقيقة..الحقيقة !
العلقمي وأعرفه .. قل يا قائد الجند : بغداد محاصرة أم لا ؟
الدويدار : ( على مضض ) نعم ولكن!
الخليفة : هي كلمة واحدة ( يرفع من وتيرة صوته ) محاصرة ..أم لا
الدويدار : ( وقد طار صوابه ) يا مولاي ! كل القلاع والعواصم تحاصر ،ولكن لا
تسقط جميعها ..وبغداد شديدة التحصين
الخليفة : اصمت يا دويدار ..اصمت ( بعد فترة تفكير ) اكتب يا علقمي
العلقمي : ( بخبث ) ماذا أكتب يا مولاي ؟
الخليفة : صك التنازل لهولاكو
العلقمي Sad قبل أن يكتب وبمكر) أكتب أم لا أكتب ؟أنت صاحب الحق في أن
ترفض أو تقبل يا مولاي وأنت المسؤول.. فكر فيما ستقوله ؟
الوقت يمر بسرعة وهولاكو ملَّ الانتظار يا مولاي !
الخليفة : ( مرتبكا و مهزوزا ) قلتها من نفسك يا وزير..هولاكو ملَّ الانتظار!
العلقمي : ( يحمل الريشة ويفتح الرقعة ويكتب ويقرأ بصوت مسموع )
إلى هولاكو عظيم التتر.
يأتيك الله أجرك مرتين..لك بغداد فاتحة ذراعيها تناديك مهللة
هلا وسهلا أن تدخلها معظما مكرما ،وأن تعفو عن جميع أهلها إلا
المقاوم منهم ، فقتله محللٌ دمه لك ؟
(الدويدار يسحب سيفه على العلقمي والخليفة يقف بينهما )
الخليفة : اقتلاني ثم تقاتلا
الدويدار : ( بغضب ) وهل المقاوم هو خائن ؟ أي الشرائع أقرت بذلك يا مولاي ؟
الخليفة : شرائع الغاب يا دويدار .. شرائع الغاب!..( يغمز من العلقمي ) ..
أليس كذلك يا علقمي ؟
العلقمي : ( بخبث ) لست على اطلاع بأمورٍ كهذه يا مولاي..على كل حال
سأحاول مستقبلاً المعرفة كما العلم ..هذا أمر ضروري .. قال تعالى:
وقل ربي زدني علما
الخليفة : ما شاء الله يا علقمي ! ..تابع الكتابة يا علقمي تابع !
العلقمي : ( يكتب ثم يتوقف ) ..
الخليفة : لم التوقف ..اكتب يا علقمي.. الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك !
العلقمي : لا يكفي التنازل يا مولاي !..هولاكو واعرفه
الدويدار : ( بغضب ) تعرفه ؟!..
العلقمي : أقصد النوايا .. لا نعرف ما ينوي
الخليفة : ( مقاطعا ) الوقت ليس في صالحنا ..وماذا نمنحه أيضا ؟
العلقمي : نرسل له الخزائن و الدفائن المليئة بالمال والمجوهرات التي حفظت لمثل
هذه المصائب ولمثل هذا اليوم الأسود الذي جرّنا إليه .
( ينظر إلى الدويدار بحقد )
الخليفة : ( مقاطعا ومقتنعاً ) وزد على ذلك يا وزير اعتذارنا لهولاكو أيضاً
العلقمي : ( بخبث ) لقد أخطأت يا مولاي بحقه..أن تعتذر فهذا فرض عين
وواجب وهو من شيم الكبار.
الدويدار : يا الله مولاي يعتذر !.عن ماذا يعتذر ؟
الخليفة : سأعتذر له عن عدم مدِّ يد العون لهولاكو في قتاله ولاتنا يا دويدار ..
( مخاطبا العلقمي )
هل نسينا شيئاً آخرا يا علقمي ؟
العلقمي : لا
الخليفة : أمتأكد ؟!.. تأكد يا علقمي تأكد !
العلقمي : ( مقاطعا كمن تذكر ) أ..تذكرت ! و نجعل له الخطبة في المساجد
ونصك النقود باسمه..وبهذا نفتدي بغداد ونأمن شره..( بعد سكتة )
ما رأيك يا مولاي ؟
الخليفة : ( بإعجاب ) رأي صائب..موافق! اكتب لهولاكو اعتذارنا ,ولتجهز
الهدايا وترسل إليه على جناح السرعة
الدويدار: ( مصعوقا) مولاي!.هذا الذي تفعله يعفر رؤوسنا ويدسَّها خائبة بالتراب !
الخليفة : (مقاطعا بحدة ) إن قوة هولاكو، و جاهزية جيوشه كبيرة يا "دويدار" ولا
طاقة لنا على قتاله!
الدويدار: لتمدنا بالمال يا مولاي وبأقصى سرعة !.
قد نستطيع تجهيز الجيش بالعتاد اللازم ..
العلقمي : ( مقاطعا بخبث ) قلت قد نستطيع "يا دويدار" ولم تقل نستطيع !..
الوقت لم يعد كافياً..الزمن يجري سريعاً..يوم وليلة على أقل تقدير
ستزهق النفوس وتضيع الفلوس
الدويدار : فأل الخير ولا فأل الشر يا علقمي !.ولا تحلم أن تسقط بغداد..
قلت لكم ستصمد، وأنا أتحدى إن لم تقع هناك خيانة !..
العلقمي : (في خبت) معك كل الحق أيها الدويدار..ولكن أبناء الحرام وضعاف
النفوس يتربصون ويتحَّينون الفرص المناسبة..وأصبحت هذه الفرص
مواتية الآن..
الخليفة : ( للعلقمي مؤكداً على قوله) عين الصواب في كلامك يا علقمي..أبناء
الحثالة يفعلونها.. فعلوا الكثير من قبل ..
العلقمي : ( يتصنع الحزن الكاذب وكمن يتوسل ) مولاي !..قلبي على بغداد
وحرصي عليكم دفعاني لشرح الموقف أكثر
الخليفة : اشرح ..اشرح يا علقمي .. كلنا نصغي!
العلقمي : إن قوة المغول فتاكة..يقال وعلى ذمة العيون أن جيوشهم الجرارة تصل
بين بغداد وقلعة نجم , وإنهم يملكون الآلات التي تقذف الحمم وتحرق
الأخضر واليابس .
الخليفة : ( بقلق بكائي وخوف ) إنها الطامة الكبرى !..
عجِّل بما أمرت به يا علقمي..
عجل !..الوقت ضيق !
الدويدار: ( بغضب كبير) هذا الذي كنت أخافه.!
هذه هي الخيانة التي كنت أحسبها ..!
العلقمي : ( بغيظ وحقد ) لا أسمح لك باتهامي بالخيانة..
الخائن هو ذاك الذي يتستر على الخونة
الدويدار : أنا !..أنا يا ابن اللئيمة أتستر!..أتستر على من ؟
العلقمي : ( مقاطعا في حدة ) أنت من حرّك جيوش العباسيين إلى "الكرخ" سراً بلا
علم مولانا المستعصم من أجل ماذا ؟.( يهمس بصوت عال للخليفة )
لأجل أن تقتل وتنهب أهلها في الوقت الذي تجتاح فيه جيوش المغول
البلاد .
الدويدار : أنت وزير مفتري
مولاي أنت على علم بما جرى وبمشاورتك !. لم أرسل الجيش كما يزعم
الوزير العلفمي .. فقط أرسلت تجريدة من ألف جندي.. قاتلناهم ..إنهم
أهل نفاق و أهل شقاق..نحن في هذه المحنة وهم يتآمرون علينا
( للخليفة مؤكدا )..ابنك أبو العباس كان على رأس التجريدة ،و شارك في
قتالهم وأبلى ،وهو يشهد على ذلك يا مولاي!
الخليفة : ( يحاول الابتعاد عن الموضوع ) سننظر فيما بعد ،ونتحقق من أمر
ما حدث ..دعونا في الأمر الأهم الآن
العلقمي : ( يتجاهل كلام الخليفة ويتابع في حدة كلامه )...
وما تقول في البغدادي..هذا الذي يصول ويجول ويخطب بالعامة,
ويحرضهم على عدم الطاعة والولاء للخليفة ؟. ( بابتسامة حادة )
وأنت وكأنك لا ترى ولا تسمع ، ثم قل لي : ماذا فعلت مع هذا المتآمر
سوى السكوت عنه ؟..طبعا والسكوت علامة الرضا عما يفعل
صاحبك يا دويدار..
الدويدار : ( بدهشة ) أنا.! مولاي ماذا يقول هذا الشيطان !
العلقمي : ( مقاطعا ومتابعا في حدة ) وصاحبك البغدادي يتهم خليفتنا المستعصم
زورا وبهتانا، ويصفه بالمهمل ،وعاشق الغواني،وبالعربدة, وبالمتقاعس
عن قتال المغول..أنت الخائن وصاحبك ،ولست بخائن يا دويدار!
الدويدار : ( مصعوقا يضع يده على غمد سيفه يجرده ..يهم بقتاله) : البغدادي
أشرف من أهل أهلك أيها الـقذر..
العلقمي : ( في شيطنة ) سمعت يا مولاي.. انه يؤكد ما أكدته أنا !
الخليفة : ( بانزعاج مصطنع ) انتم في حضرتي وتتخاصمون ؟!.
هيا اخرجا واتركاني وحدي قبل أن أخرج عن طوري وآمر بحبسكما
( يخرج العلقمي أولا ، وقبل أن يخرج الدويدار ..الخليفة يناديه )
الخليفة : على الرغم من إني اعرف تماما نواياك الطيبة ..لكن الوقت قد أزف ..
لا أريد للبغدادي أن يموت بيد هولاكو ولا أريد لشعبي أن يهلك ..
اسمع يا قائد الجيش ( يقترب منه ) ..أسمع.. أريد صاحبك مكبلاً
وادخله علي في الحال
( تصفق الكلاب بحرارة للخليفة ..تدخل الجواري من جديد ويبدأ السمر والغناء واللهو.. لا نلاحظ للمغنية عزة وجودا .. )
اللازمة
المجـموعة تغني :* هيــمتني تيمـتني عن سـواها أشـغلتني
الدور
أخـت شمس ذات أنــس لا بكأسٍ أسكرتـني
يـا لها شمس تــوارت في سحابٍ مذ رأتني
تسدل (الشال السليمي) فوق أعطافٍ شجتني
ملاحظة :
قبل نهاية غناء القدِّية / القدود / بقليل يدخل الدويدار وخلفه البغدادي مكبلاً مع اثنين من الجند .. جميع من في القاعة يخرج عدا الكلاب .
الدويدار : هوذا البغدادي يَمْثُلُ مكبلاً أمامكم يا مولاي ..
الخليفة : من ؟ البغدادي..إمام جامع دار السلام في بغداد
( يفهق ثم يرفع رأسه للأعلى ويرمي بكأس الخمرة بعيدا
ومن ثم يتأمل البغدادي طويلا..البغدادي يبادله التأمل ذاته )
أنت البغدادي ؟!.. معلم ولدي أبي العباس!
البغدادي : ( باستغراب وهو يجيل النظر في مجلس الخلافة ،والحاشية والجواري )
أ.أنت الخليفة ؟! أنت والد أبي العباس..أنت المستعصم بالله!.
لا أصدق عينيَّ ..؟!
الخليفة : ( في ضيق واستغراب ) لا تصدق!.. لم لا تصدق ؟ أنا الخليفة أمير
المؤمنين بشحمه ولحمه ..
البغدادي : ( يستمر في دهشة ) استغفر الله !..أنت أمير المؤمنين ؟!
الخليفة : كما أنت البغدادي بشحمه ولحمه..
البغدادي : ( باشمئزاز واضح ) أمير المؤمنين يعاقر الخمرة ويجالس الجواري
وبغداد محاصرة من قبل جيوش المغول ؟! .
الخليفة : ( يتأمله قليلاً ) إذن !..أنت صاحب الصوت
البغدادي : وأنت الخليفة الضعيف ..( يقطع الحوار الدويدار )
الدويدار : ( كمن يريد التخلص من ورطة ما )
اسمح لي يا مولاي أن أخرج لترتيب الجند والمتطوعين من الأهالي
للدفاع عن بغداد ..
الخليفة : لا ..ابق لتشهد على هذا الكافر المأفون الذي يشكك بخليفة المسلمين..
الدويدار: ( على مضض ) مولاي أرجوك الوقت يمر بسرعة وبغداد تحتضر
الخليفة : ( في توتر) قلت لا..لتحترق بغداد ومن معها ,ولا أكتوي بنار هذا
الزنديق
البغدادي ( للدويدار ) ابق.. وأطع أولي الأمر منكم ..
الخليفة : سمعت يا قائد جيوشنا ماذا يقول الشيخ البغدادي ؟أطع أولي الأمر منكم,
وتريد أن تخرج قبل أنْ آذن لك بالخروج .. ( للبغدادي ) ..
ما دمت وأنت الشيخ المؤمن العارف بأصول الدين والطاعة والخلافة
تخرج علينا و تُكََرِّهُ الناس بنا ونحن الخليفة ..لِمَ يا شيخنا الجليل ؟
البغدادي : هذا افتراء وكذب..أخرجه العلقمي وأتباعه الخونة الذين يملؤون بغداد..
لا يريد هذا العلقمي أن ندعو الناس للجهاد وقتال التتار.. بل وهددني
بالقتل ! لقد اتصل بيِّ أكثر من مرة يطلب تهدئة الناس ومنعهم من
الجهاد..
الخليفة : ( في إحراج ) ..هي أوامري وأنت لم تطعها ..
الدويدار : ( بدهشة متدخلاً ) أوامر مولاي !..
البغدادي : ( غير مصدق كمن يشكك ) أشك أنها أوامرك !. ومع هذا كيف أطيع
هذه الأوامر وبغداد محاصرة ؟!
الخليفة : أنا الخليفة يا بغدادي !..أنا الخليفة أم نسيت قول الله ؟! ..
البغدادي : لم أنس.. ولكن
الخليفة : لا مكان لكلمة لكن ..أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ..
البغدادي : لا معصية لخالق ..لكن هناك حالات أجاز الله بها تجاوز أولي الأمر
وخاصة عندما يكون الحاكم فاقدا لأهليته ..
الخليفة : الخليفة أنا يا بغدادي !..لست بفاقد الأهلية ,ولست بحاكم بلدة أو مدينة
أو ولاية صغيرة ..أنا أحكم الشرق والغرب ..( يدور حول نفسه ) ..
أنا راع لهذه الأمة و مسؤول عنها
البغدادي : وأنا الإمام والإمام راع و مسؤول عن رعيته..
( يرفع قليلاً من طبقة صوته )
ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ..
( يدخل جندي وهو يلهث ويصرخ )
الجندي : دخل المغول بغداد يا مولاي ..حطموا الباب الشرقي..اعتلوا أسوار بغداد
أضرموا النار بالسهام الحارقة وسط بغداد , وبالحمم اللاهبة التي تقصفها
المنجنيقات.
الخليفة : ( بسخرية وتهكم ) سمعت يا دويدار.. يا قائد جيشنا الفذ.. سمعت !
ألم تقل بأن بغداد محصنة، وإنَّ أسوارها وأبوابها منيعة ..
الدويدار: ( بألم يصرخ ) أقسم إنه العلقمي..انه العلقمي..خيانة ما بعدها خيانة
( يخرج الدويدار على عجل يتبعه الجندي .. نسمع أصواتاً قادمة من الخارج )
الصوت : قتل الدويدار ..قتل قائد الجيش ..قتل الدويدار
( يدخل بعض الجنود وهم يحملون جثة الدويدار ثم يخرجون بعد أن يضعوها أمام الخليفة ..الخليفة ينظر إليها ..يدور حولها )
الخليفة : ( كمن يتشفى ) يستأهل.. ( يلتفت نحو البغدادي )
ها هي بغداد سقطت أخيرا بيد هولاكو، وهاهي جثة الدويدار صاحبك
يا بغدادي مسجاة أمام ناظريك.. فما أنت قائل يا شيخنا الجليل ؟
البغدادي : أستغفر الله .. ا..أستغفر الله ! ماذا أقول ؟! لم يعد الكلام يجدي !
( يبحث عن مسوغ ما لكي يأمر الخليفة بقتله.. فيقرأ بانفعال مقطعا مغلوطا ومقصودا من سورة الفتح )
إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين لله أفواجاً...
الخليفة : ( مقاطعا بأعلى صوته ) ويحك أيها الكافر !..ويحك الزنديق المأفون !
أيدخلون في دين لله أم يخرجون ؟
البغدادي ( يبكي بحرقة ويشهق ) كان هذا في عهد أسلافك يدخلون أمَّا فوالله..أما
فوالله..فهم في عهدك يخرجون من دين لله..وهذا ما أقوله،وأشهد الله
على ذلك واستغفر ربيَّ العظيم.. أسأله المغفرة والثواب وثبات الدين !
( يسحب الخليفة سيفه ويغمده في صدر البغدادي ..الكلاب تتجه نحو الجثتين وتسحبهما خارج القاعة .. الخليفة يقع منهكا على الأرض .. ينادي على الجواري والحاشية وتبدأ جلسة السمر والغناء ..الخليفة يتناول كأسا من الخمرة ويحتضن إحدى الجواري )
الخليفة : ( بعد وصلة الغناء..يرفع الكأس وهو يبكي بحرقة ثم يبدأ بمنولوج حزين )
حتى أنت يا دويدار !.. أنت على حق ولكن سبق السيف العدل
قتلوك ونسوا أن الحقيقة لا تموت أبدا..فعلها الكلاب ،وأنت يا بغدادي
تكفرني!..حتى أنت أيها الشريف الذي نعته بالمأفون!.. من أنت ؟..
الصوت : ( من جديد ) إذا كتب اللهُ الهلاك لأمةٍ أقامَ عليها المفسدين وأمَّرا
أيمنعُ سرْبَ المسلمين ُمَملَّكٌ حماهُ الهوى والخمرُ أن يتدبَّرا
الخليفة : اخرس أيها البغدادي .. حتى وأنت ميت ( يصم بيديه أذنيه )
قتلتك لكي لا يقتلك هولاكو .( يدور حول نفسه )..
صحيح ٌ! في عهد أجدادي كانوا يدخلون في دين الله..كانوا يا بغدادي !
أما في عهدي..! أيضا كانوا ( يضحك بانفجار ) كانوا !..
كانوا : هذا الفعل الماضي الناقص اللئيم..كانوا.! طز..! ماذا كانوا ؟
( يبكي بحرقة وكأنه يهذي )
سامحني يا بغدادي ..سامحني يا دويدار ..سامحوني ..لا أعدموني
ضاع كل شيء.. ضاعت الخلافة يا امرأ القيس..اليوم خمر وغدا أمر..
اليوم خمر وغدا أمر..طز..أشربْ في صحتك يا امرأ القيس ولست بالنادم
لكنِّي حزين.. حزين !
( يصرخ بألم ..ومن ثم يبدأ في تكسير وبعثرة كل ما حوله )
يا امرأ القيس.. سامحني،أو بالأحسن لا .. المسامحة ضحك على اللحى
إذا كلُّ من باع البلاد نسامحه..عيني عليك يا وطن ! وأنت أيها الفارس
المتنبي .. لم تكن تملك إلا لسانك ..لسانك الذي أرداك وداستك لأجله
الأقدام.. أجل داستك الأقدام أيها الفارس الخلَّبي .. أنصحك أن لا تشتر
العبد إلا والعصا معه .. سامحني وأنا الذي أطاح بعصا الخلافة ..لكن لا
لكن لا ! وألف لا .. لست أنا آخر من أضاع الخلافة ..سيأتي من
قبلي وبعدي كثيرون يا متنبي..كثيرون.. صدق أو لا تصدق
سيذكر أيامي نمير وعامر وكعب على علاتها وكلاب
( يقف وهو يدور في مكانه..تم يدور بترنح حول الحاشية التي تنسحب بهدوء )
أنتم أيها الحضور .. سيداتي سادتي
لا تتركوا القاعة .. اجلسوا في أماكنكم
المسرحية مستمرة ..لا زمن محدداً لها
اشربوا نخب البغدادي ..اشربوا نخب الدويدار
اشربوا نخب امرئ القيس ..
اشربوا نخـب المتنبي دونكشوت العرب ..
المسرحية مستمرة ..أبطالها نحن وانتم وهم وهن
هي مستمرة للأبد ..لا أحد يستطيع إيقافها .. مثل طواحين
الهواء آه..نسيت صديقي !.. ( بهمس )..
العلقمي أين هو ؟ .. العلقمي أين هو؟
( يدخل ابن العلقمي متخفيا .. يقترب من الخليفة الذي يبكي ويهمس له في )
العلقمي : مولاي !..مولاي..!
الخليفة : من ؟..صديقي وقرة عيني العلقمي !.. حسبتك غادرت يا رجل !..
أين كنت ؟
العلقمي : ( بهمس ) كنت مع هولاكو..سلَمت له مفاتيح أبواب بغداد
الخليفة : ( يمسح دموعه) مفاتيح بغداد جميعها يا رجل ..
ليش.! مفتاح واحد كان يكفي ؟!
العلقمي : أفضل يا مولاي ..حتى لا يشكك بإخلاصنا
الخليفة : بإخلاصك أم بإخلاصي أم بإخلاصنا ؟
العلقمي : ( متجاهلاً ومتابعا وهو يبتسم ) البابان الشرقي والشمالي..
الخليفة : ( بالعامية ) عفارم يا صديقي !. ومن أي باب دخل هولاكو يا صديقي ؟
العلقمي : ( وهو يبتسم بفرح طفولي ) .. دخل هولاكو من الباب الشرقي يا مولاي
الخليفة : ( يبادله الابتسامة الطفلية ) وأنت من أي الأبواب دخلت يا صديقي ؟
العلقمي : دخلت معه معززا مكرما من الباب الشرقي أيضاً..
الخليفة ..قلت دخلت معه !.. مع من دخلت ؟
العلقمي : مع عمي هولاكو
الخليفة Sad بهمس يسأل ) عظيم ! كيف استطعت الوصول إليه بهذه السرعة ؟
العلقمي : ( بثقة ) يعرفني وأعرفه من زمن بعيد.. ثم ألم ترسلني إليه لمفاوضته ؟
الخليفة : ( بذهول لنفسه بهمس ) يعرفه من زمن بعيد !..وأنا الخليفة
الأهبل..آه..صحيح أذكر أني مرة أرسلتك إليه في زيارة خاطفة..
وهناك ماذا فعلت عنده يا صديقي ؟
العلقمي : تآمرت عليك يا مولاي .. تآمرت عليك !
الخليفة : عين الصواب فعلت ..عظيم ! خائن محترم !.. أين هولاكو الآن ؟
العلقمي : هولاكو في الباب ينتظر..يطلب الإذن بالدخول عليك يا مولاي
الخليفة : ( يبدي دهشة مصطنعة وساخرة ) هولاكو في الباب ويطلب الإذن
بالدخول؟.. معقول ! من هذا الحمار الذي يصدق؟! أنا !..نعم أنا..
ألا تصدقون!..
العلقمي : ( متابعا ) صدقوا أم لم يصدقوا ! يصطفلوا .. ما حدا أحسن من حدا !
بسرعة.. بسرعة يا مولاي لقد ملَّ مولانا "هولاكو" الانتظار
الخليفة : ( باستغراب مصحوب بالسخرية ) مولانا !..نعم لم لا !..مولانا على
الرأس والعين ليدخل مولانا هولاكو يا علقمي، ولا تدعه ينتظر من
العيب أن ينتظر من هو بقامة هولاكـو..هذه ليست من شيمنا ولا من
أخلاقنا .. ( ينشد مفتخراً )
نحن أبناء يعرب أعرب النـــاس لسانا وأنضر الناس عودا
( ينهض ويعيد ترتيب ثيابه ثم يرفع كأسا مكسورة ويصرخ بأعلى صوته )
بصحة.. حج محمد هولاكـو
( تنبعث زغاريد الترحيب وهي تردد .. يا حج محمد يويو ..عطيني حصانك يو يو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
هولاكو على الباب ينتظر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
طلبة معهد الفنون الجميلة :: الاقسام الفنية والثقافية :: نصوص مسرحية-
انتقل الى: