طلبة معهد الفنون الجميلة
مرحباً بكم في معهد الفنون الجميلة في الديوانية


نتمنى للاعضاء قضاء اجمل الاوقات برفقتنا



طلبة معهد الفنون الجميلة

اهـــــــــــــــــلآ وســــــــــــــهلآ بكم في طلبة معهد الفنون الجميلة هذا المنتدى الى جميع لطلبة معهدالفنون الجميلة و الفنانون الموهوبون والى من يحب معنى الفن وعرض نشاطاتهم
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مقارنة بين بخلاء الجاحظ وبخلاء مولير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفنان مصطفى الخالدي



المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 11/01/2012

مُساهمةموضوع: مقارنة بين بخلاء الجاحظ وبخلاء مولير    الخميس يناير 12, 2012 6:09 pm


مــــولـــير


ولد جان بانتيست بوكلا الملقب بموليير في باريس عام 2261 م في أسرة برجوازية فعاش في حالة من الغنى و الترف حيث جسد هذا الجو من الترف في مسرحياته الكوميدية كان والده صانع سجاد عند الملك ثم خلفه ابنه في هذا العمل تلقى موليير تربية خاصه فكان يتقن اللاتينية التي مكنته من قراءة كوميديات‏ بلاوتوس و تيرنس وقد بدأت موهبة موليير تظهر في سن مبكرة جداً وظهر اهتمامه الشديد بالادب وحضور المسرحيات إلا أن هذا لم يثنه عن دراسة الحقوق ومن ثم أصبح مثلاً عام 3461 حيث شجعه والده واخذ اسم موليير وشكلّ مع الممثلة ( مادلين بيجارت ) فرقة مسرح الروائع،و قام مع هذه الفرقة بتقديم بعض المسرحيات ولكنه يسجن لتراكم الديون عليه ،وبعد خروجه يحاول أن يجرب حظه بعيداً عن مدينة باريس فينشئ مع (مادلين ) فرقة أخرى عرفت باسم ( دي فرين ) حيث أخذت الفرقة تتجول في مختلف المدن الفرنسية لعرض المسرحيات المختلفة فاستفاد كثيراً من مهنة التمثيل وتأثركثيراً بالمسرحيين الايطاليين الذين كانوا يأتون الى فرنسا لعرض مسرحياتهم.‏.. تزوج عام 1662 من آرما ند أخت الممثلة مادلين حيث مثل معها في السنة ذاتها مسرحية ( مدرسةالنساء )‏ وقد حظيت هذه المسرحية بإعجاب معاصريه لأنها كانت تعالج الكثير من القضايا الاخلاقية والاجتماعية الحقيقة فحصل على مكافأة من الملك وبذلك استطاع موليير من رفع قيمة الكوميديا لتصبح كالتراجيديا‏ وكتب الكثير من المسرحيات منها « دوم جوان » عام 1665 وقد كتب مسرحية عدد البشر ، الطبيب على الرغم منه ،تارتوف ، البرجوازي النبيل » .‏ وكتب مسرحيته البخيل عام 1668 وقد كتب هذه المسرحية بسرعة حيث مثلت على خشبات مسرح القصر الملكي ولعب موليير دور البطل ( آرغون ) ولم تلاقِ النجاح المطلوب نظراً لضعف الاقبال الجماهيري لكن بعضهم قال لم تنجح بسبب بعض المؤثرات المضحكة التي لا تلائم ذوق جمهور موليير كما يعتقد أن الحبكة كانت فيها ضعيفة ولكن عاد لتمثيلها أكثر من مرة ؟فعرض عام 1669 إحدى عشرة مرة ، وعام 1670 ست مرات ، وعام 1671 ست مرات وعام 1672 ثماني مرات .‏


دراسة المسرحية :‏
تتحدث المسرحية عن آرباغون الغني الأرمل وهو الاب المتسلط عديم الرحمة حيث كان له ولدان ، ابنه ( كليانت ) وابنته ( إليز ) حيث كانت ابنته ترغب بالزواج من رجل نبيل هو ( ليفالير ) أما كليانت فكان يرغب بالزواج من فتاة جميلة هي (ماريان ) لكنهما كانا يخافان ان يرفض والدهما المتسلط البخيل حيث كان يدفن في حديقة بيته صندوقاً من الذهب خوفاً عليه من السرقة ، فيظهر الاب وهو يحدث ابنيه رغبته من الزواج من ماريان التي يحبها ولده . وأنه يريد أن يزوج ابنته عن لرجل غني من اصدقائه وابنه من امرأة غنية فتوالى الاحداث ويتقدم الأب المتسلط الغني لخطبة ( ماريان ) بالاتفاق مع والدتها التي كانت تطمع بثروته ويظهر لنا موليير الجو الساخر للعرس حيث يوصي آرباغون بالاقتصاد في الاموال كما طلب من الطباخ التقليل من الهدر ولكن عندما تصل ماريان تتبادل مع الابن ( كليانت ) كلمات الحب بأسلوب يعتمد التورية حتى لايفهم الاب لكن الأبن يأخد الخاتم من ابيه ويلبسه لماريان فيفاجأ الأب فيحاول اقناع الجميع بأنه تخلى عن فكرة الزواج من ماريان وفي تلك الاثناء يسرق صندوق الذهب من شخص صديق الامين بالاتفاق معه وعندما يعلم الاب يبدأ بصراخ مضحك معبراً عن مشاعر اليأس والضياع لفقد الصندوق فتتوالى الاحداث الساخرة والمضحكة في المسرحية حتى تنتهي نهاية سعيدة بزواج ابنيه ممن يريدان وبعودة الصندوق إليه ..‏ ونقول : إنه أفاد من الروماني بلا وتوس في مسرحية وعاء الذهب حين استعار منه بعض النماذج والمواقف ، وقد برز فيها دور الشر الذي يجسده الاب حيث كانت صفة البخل تلازمه فقد أراد ان يقول موليير : من الصعب ان يتطبع المرء عيوب الآخرين اذا كانت هذه العيوب متمركزة في طبيعتهم الانسانية ، حتى انه يروى أن بخيلاً من البخلاء شاهد هذه المسرحية ، فلما سئل عن سبب مشاهدته لها ، أجاب أنه أراد أن يأخذ دروساً في البخل .‏ ولا شك ان تاريخ الكوميديا الفرنسية حافل بكبار الكتاب الذين سخروا فنهم لتسلية الجمهور واقناعه عبر الاضحاك المعبر والكاشف للحقيقة الانسانية المعذبة ويبقى موليير الكاتب الفرنسي الاكثر شهرة بسبب ما قدمه من مسرحياته كوميدية تنتقد الطبيعة الانسانية الفاسدة التي ظهرت في عصره وفي طبقات النبلاء حيث اعتمد في مسرحيات الاضحاك الهادف لأنه أدرك أنّ الكثير من القضايا الاجتماعية يجب ان تعالج من خلال الادب الهادف .‏

البخيل
هذه المسرحية من خمسة فصول كتبها موليير سنة 1868 و كان إستقبال الجمهور لها باهتا فسحبت من العرض سريعا و لم تعرض إلا 9 مرات !
سنة 1669 لاح قليل من الأمل في أن تعرض ثانية غير أن نجاح مسرحية tartuffe التي كانت ممنوعة من العرض قبلا حال دون ذلك
و مع ذلك فإن مسرحية البخيل تعد نمودجا لأدب موليير و رغم تأخره فنجاحها كان باهرا حيث عرضت في المسرح الفرنسي 2078 مرة بين سنة 1668 و 1963 و هي بذلك تحتل المرتبة الثانية بعد Tartuffe


الفصــــل الأول
الأحداث تدور في باريس في منزل آرباغون , غني بورجوازي أرمل و أب لكليونت و إليز اللذان كانا يخشيان على حبيهما لأن بخل أبيهما كان يهدد بالقضاء على مشروعيهما في الزواج إليز مخطوبة في السر إلى فالير , رجل طيب من نابولي الإيطالية كان قد أنقدها من الغرق و دخل في حياة أبيها كمتصرف مالي ( مسير ) بينما كليونت كان يود الزواج من ماريانا , فتاة فقيرة كان يحبها..
في السر كليونت كان متمردا على بخل أبيه الذي لا يمكنه من مساعدة ماريانا و كان يفكر في الهروب مع حبيبته إلى الخارج أما والدهما آرباغون فكان أيضا دائم التوتر و القلق , فقد أخفى في حديقته صندوقا يحتوي على عشرة آلاف أوقية ذهبية و كان يخشى أن تسرق منه , وخوفه ذاك جعله يشك في الجميع و دفعه حتى إلى طرد لافلاش خادم كليونت بطريقة فظة بعد أن فتشه وحقق معه , و طبعا إبنيه أيضا لم ينجوا من نظرات شكه و فجأة يعلم الجميع مشروع الأب ,, لقد كان يريد الزواج من ماريانا و أن يعطي ابنته إلى آنسالم , شيخ من أصدقائه , و أن يزوج كليونت أرملة من معارفه .. و بما أن إليز كانت تعارض بشدة الزواج الذي تصوره والدها , فقد طلب أرباغون من مساعده فالير أن يتدخل من أجل إقناعها , هذا الأخير كان في موقف حرج ,, فهو من جهة كان يتظاهر بأنه يوافق أرباغون , و من جهة أخرى كان حذرا و يتحين الفرصة للهروب مع إيليز إذا اقتضت الظروف .

الفصــــــل الثانـــــــي

يبحث كليونت عن قرض بـ 15 ألف فرنك , خادمه وجد له مقرضا , و لكن هذا الأخير كان يضع نسبة فوائد خيالية و يضيف شروطا مستحيلة , و بينما كان يستنكر تلك الشروط يكتشف فجأة أن المقرض لم يكن غير .... آرباغون فيتشاجر مع أبيه ..فروزين , إحدى المخططات , كانت تفتخر بنفسها أمام لافلاش لتحصل على العطايا من أرباغون نظير المفاوضات التي كانت تقوم بها لصالح زواجه من ماريانا ..فيحذرها الخادم من البخل الأسطوري لأرباغون مستغلا غياب هذا الأخير .بعودة أرباغون , فروزين توهمه أن ماريانا تفضل كبار السن و أنها تقبل الزواج منه , و مع ذلك فإن عادة جعلته يشك في الأمر هي إرسال الفتاة القابلة لعطاء ما , لكن فروزين طمأنته بأن الفتاة لم ترسل شيئا لأنها تحب الإقتصاد (صفة يحبها أرباغون كثيرا) , جاء موعد قبض الثمن , لكن أرباغون ظل أصما أمام مطالبة فروزين بحقها و سرعان ما اختفى عن نظرها..



الفــصـل الثـــالــث

آرباغون الذي دعا ماريانا إلى العشاء , يكثرمن التوصيات لخدمه و خاصة إلى رئيس الخدم جاك لكي يحدد النفقات إلى أقصى قدر ممكن , و أمام إحتجاج هذا الأخير , ينضم فالير إلى رئيسه لحث رئيس الطهاة على الإقتصاد , جاك يتشاجر مع فالير فيتلقى ضربة بالعصا و يقسم أن ينتقم مع أول فرصة , بينما ماريانا , التي أحضرتها فروزين تصل مرتبكة و متوترة من فكرة اللقاء بأرباغون
بنية أرباغون تشلها . و حين تعرف كليونت , الشاب الذي غازلها ( كليونت ) ترتبك , الشابين يتبادلان المشاعر بإستعمال لغة لها معنيين أمام أرباغون الذي كان يجد صعوبة في فك معنى ما يقولان , فينفجر غاضبا حين يخلع كليونت من أصبعه خاتما من الألماس و يهديه بإسمه إلى ماريانا . و في هذا الوقت يعلن لأرباغون عن زيارة رجل له يحمل إليه مالا فيهب لملاقاته .


الفصل الرابع

كليونت و ماريانا يطلبان من فروزين أن تساعدهما في إقناع أرباغون أن يصرف النظر عن مشروع زواجه فتتصور أن تجعل البخيل يلتقي بأرملة غنية , و في هذه اللحظة يعود أرباغون فيفاجؤ بولده و هو يقبل يد ماريانا , فيحزر أن شيئا ما يدور في الخفاء . فيدعي أنه لم يعد راغبا في الزواج من الفتاة ليحث كليونت ليعترف له بمشاعره الحقيقية , و يقع الشاب في فخ أبيه , فيدخل الأب في دوامة من الغضب و يهدد بضرب إبنه لكن الطاهي جاك يتدخل و يصلح بينهما , بأن يتكلم مع كل منهما على حدى و يوهمه بأن الآخر قد تنازل عن ماريانا . وبعد ذهاب جاك يكتشف المتخاصمين سوء الفهم الذي حصل و يعود الخصام من جديد بأكثر حدة من ذي قبل . البخيل يحرم إبنه من الميراث , و يطرده و يلعنه , فيصل لافلاش حاملا صندوق آرباغون فارغا بعد أن كان قد فر به . أرباغون الذي اكتشف السرقة يصل غاضبا و متعطشا للإنتقام , و يقسم أن يجد الفاعلين يأمر بفتح تحقيق .. محافظ شرطة استدعاه أرباغون يقود التحقيق . آرباغون يتمنى من المحافظ أن يحبس كل سكان المدينة . الشرطي يستجوب جاك الطاهي .. هذا الأخير لينتقم من فالير يتهمه بأنه هو من سرق الصندوق .. يصل فالير , فيسارع آرباغون إلى مطالبته بالإعتراف , فيفهم فالير أن الحديث يدور عن حبه و يعترف , لكنه يؤكد على نزاهة نواياه . سوء الفهم يدوم قليلا قبل أن يكتشف آرباغون في قمة غضبه علاقة إليز و فالير .. فيهدد بحبس إبنته و شنق عامله .وصول السينيور آنسالم , أريستوقراطي نابوليتاني ( من نابولي ( يمكن من توضيح المسألة .. ليبرئ نفسه فالير يكشف عن هويته و يحكي قصته .. فنكتشف إذن أن آنسالم ليس .



فمن هو "الجاحظ" الذي ارتقى بالفن النثري؟ ومن هو "موليير" الذي خلدته آثاره الأدبية وعُدّت من روائع المسرح الكلاسيكي الفرنسي ، ومنها مسرحية البخيل ..وكيف صور هذان الأديبان /الجاحظ وموليير/ أنموذج البخيل وماهي. العوامل المؤثرة التي دعت الأديبين لتناول أنموذج البخيل؟... و ماهي الصفات الشخصية التي تشابه كل منهما مع الآخر؟ وماهي أوجه الاختلاف بين بخيليهما؟ وما مدى الانفعال والتفاعل بين كل كاتب وبخيله؟... وكيف جاء عنصر الإضحاك والسخرية الذي يُعدُّ من أهم مقومات فن الفكاهة أو الملهاة..؟؟؟؟
____________________________________
الجـــــــاحـــــــظ
الجاحظ: هو أبو عثمان عَمْرو بن بحر بن محبوب الكناني الجاحظ. ولد بالبصرة سنة تسع وخمسين ومئة هجرية. وتوفي سنة خمس وخمسين ومئتين هجرية. كان في قلة ثم أثرى بجهده ونشاطه ودأبه.‏ أخذ الجاحظ العلم عن المسجديين، وعن خطباء العرب بالمربد، كما أخذ العلوم العربية عن كبار علماء عصره، على أن علمه الواسع جاء عن طريق مطالعته الخاصة حيث كان شديد الولع بالقراءة.‏ وتثقف الجاحظ باليونانية عن طريق علماء الكلام، كحنين بن اسحاق، وسلمون وأمثالهما، وبالفارسية من كتب ابن المقفع، ومشافهة أبي عبيدة".. وكان إلى جانب ذلك يختلط بالفقراء والأغنياء والكبار والصغار وعامة الناس. فاكتسب من ذلك خبرة واسعة بطبائع الناس، وعاداتهم وتقاليدهم، وأفكارهم وميولهم.‏ .وكان الجاحظ في عصر ساد فيه الترف المادي والفكري. فنشط سوق البيان والعلم، وكثر المثقفون وظهر العلماء في شتى المجالات، وانتشرت الحرية الفكرية والمناظرات الكلامية في عصر تشابكت فيه الثقافات الإنسانية بصورة واسعة... انتقل من البصرة إلى بغداد، وكانت هي والكوفة آنذاك عاصمتي العلم والمعرفة والأدب، ومركزي التفاعل بين الحضارات والأديان والمذاهب على اختلافها.‏ أصبح الجاحظ بذلك إماماً من أئمة الكلام، وزعيماً من زعماء المعتزلة، وصاحب نحلة من نحلهم، عالماً، محيطاً بمعارف عصره لا يكاد يفوته شيء منها. "في بغداد ظهرت شهرته وسار صيته في الآفاق، و عرف بالأديب الأول، والكاتب الأول المؤلف في علوم الدين حيث أصبح رئيساً لفرقة المتكلمين المعتزلة التي دعيت "بالجاحظية". كما أصبح راوية من رواة اللغة وآدابها وأخبارها، غابرها ومعاصرها، واسع الرواية، دقيق المعرفة، قوي الملكة في نقد الآثار وتمييزها...‏ وألم الجاحظ إلى جانب ذلك بالفارسية، وعرف بوساطتها ثقافات الدول المعاصرة فشارك في الحياة مشاركة فعالة. وكان فوق هذا كاتباً، أديباً، بكل ما تتضمنه هذه الصفة من رهافة في الحس، وخصوبة في الخيال، وقوة في الملاحظة، ودقة في الإدراك وقدرة على التغلغل في دقائق الموجودات، واستشفاف الحركات النفسية المختلفة، وتمكن من العبارة الحية النابضة في بساطة ودقة وجمال.‏ وكان الجاحظ دميم الخلقة، قصيراً، أسود، بارز العينين، ولذلك لقب بالجاحظ. يحدثنا هو عن شوهته فيقول: "ذكرت للمتوكل لأعلم أولاده، فلما استحضرني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف دينار وصرفني". ، إلا أن هذه الصفات التي غالباً ما تقود الإنسان إلى التأزم النفسي، والشعور بالنقص، وبالتالي إلى النقمة على الحياة لم تؤثر في الجاحظ... فقد كان حلو الحديث، حسن المحاضرة، حاضر الجواب، سريع النكتة، ناعم السخرية، يحب اللهو والطرب، وله ولع شديد بالضحك والإضحاك. فكأنه لا ينظر إلى الحياة إلا من وجهها المشرق. ينفد بعقله إلى المدركات الخفية، ويراها بوضوح تام... ولذا فقد أدرك ذاته وفهمها وتقبّل عيوبها، وتبنى محاسنها. كما أدرك واقع الحياة بروح مرحة راضية... على أن ما تميز به الجاحظ إلى جانب علمه وبيانه ومناظراته الفلسفية، هو نزعته إلى السخرية والتهكم إلى جانب المرح والدعابة.‏ ولعل في الحادثة التالية التي يوردها محقق البخلاء، عن الجاحظ، ما يعطي صورة دقيقة، وفهماً أعمق لروح الجاحظ المرحة الشفافة التي وجدت في الدعابة والفكاهة والتندر بمواقف البخلاء ما يعجز عن التقاطه الأذكياء. "حين تولى الوزارة محمد بن عبد الملك الزيات، اتصل الجاحظ به وقدم إليه كتابه "الحيوان"، فنشأت بينهما صداقة حميمة، وكان ابن الزيات مناوئاً للقاضي أحمد بن داوود في زمن "المعت صم" فوقف الجاحظ مع صديقه الزيات ضده. ولما صارت الخلافة إلى "المتوكل"، وعذب "ابن الزيات" في التنور هرب الجاحظ وقال: "لا أريد أن أكون ثاني اثنين إذ هما في التنور". غير أنه قبض عليه، وأتي به مقيّداً إلى ابن داوود الذي أراد القضاء عليه ولكنه استطاع أن يحظى بعفوه بفصاحة لسانه، وقوة منطقه، وأسلوبه المرح... وإذا ما تساءلنا عن الغاية التي رمى إليها الجاحظ من تأليف كتابه البخلاء، توصلنا إلى آراء متباينة تعكس وجهة نظر الدارسين... لقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بموضوعه البخلاء إضحاك الناس وتسليتهم، وقال بعضهم: إنه أراد به إصلاح المجتمع من الفساد... وزعم آخرون أن ما كتبه ينم عن نفسيته البخيلة...، إلا أننا نستشف من مختلف المراجع أن أحاديث البخل وأخبار البخلاء كانت تسير في طريقين متجهين إلى غايتين و كتاب البخلاء الذي نرى فيه مظهراً من مظاهر النزعة الفنية الجياشة، السريعة الاستجابة، التي يمتاز الجاحظ بها، والتي كانت تطبع شخصيته بطابع مميز. ..‏ والجاحظ قد أسهم أدبياً في خلخلة البناء الطبقي الاجتماعي، ونبه السلطة الحاكمة إلى ماهي فيه من غربة، وإلى القطيعة بين الحاكم والمحكوم!!!...‏
______________________________
خــــلاصة كـــــتاب البـــــخلاء ‏
يتحدث الجاحظ في مدخل كتابه، من خلال مقدمة عنوانها "ربِّ، أنعمتَ فَزِدْ". عن المحتوى، وعن أسلوبه فيه، وأنه في نوادر البخلاء واحتجاج الأشحاء، وما يجوز من ذلك في باب الهزل، وما يجوز في باب الجد... وكذلك عن الباعث على تأليفه، والإلماع إلى مصادره والأبواب التي سيتناولها. وقد جاءت مقدمته على شكل رسالة موجهة إليه من صاحب لم يذكر اسمه، رجاه فيها أن يحدثه عن البخيل ونوادر البخلاء بعد أن حدثه عن حيل لصوص الليل... وأوضح الجاحظ في المقدمة أن أشخاص البخلاء بعضهم حقيقيون، وبعضهم الآخر وهميون لم يذكر أسماءهم: "وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها، وأحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها، إما بالخوف منهم، وإما بالإكرام لهم". . منهياً كتابه بفصل عن ضروب الطعام عند العرب، وما يتهاجون ويتمادحون به في هذا الباب... فمن رسالة سهل بن هارون في آداب الإنفاق، إلى تصوير بخل أهل خراسان، ولاسيما أهل مرو الذين يكاد ي كون البخل فيهم فطرة وغريزة يولدون عليها... وفيهم يكتب الجاحظ قائلاً: "نبدأ بأهل خُراسان، لإكثار الناس في أهل خراسان، ونخص بذلك أهل مَرْو بقدر ما خُصُّوا به: قال أصحابنا: يقول المروزيُ للزائر إذا أتاه، وللجليس إذا طال جلوسه، تغديتَ اليوم؟ فإن قال: نعم، قال: لولا أنكَ تَغديتَ لغدُّيتكَ بغداء طيّب، وإن قال: لا.... قال: لو كنتَ تغديتَ لسقيتُكَ خمسةَ أقداح. فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير... . ويرى الجاحظ أن البخل في أهل خراسان لا يقتصر على البشر، وإنما هو وباء تسرب إلى الحيوانات أيضاً.

المسارات في كتاب البخلاء للجاحظ
المسار الأول: في تصوير حال المقتصدين الضاربين إلى الادخار، والمقترين على أنفسهم وعلى ذويهم، وقد كان الجاحظ جاداً في سوق أقاصيصه هنا بحيث جعلها تنبئ عن النفور من الإسراف والتبذير، وأن الادخار هو العقل بعينه... الأمر الذي حدا ببعض الكُتاب إلى أن يسلك الجاحظ في زمرة البخلاء لأنه لم يدفع حجج البخلاء، ولم يذم صنيعهم ويستنكره.‏..
_________________________________
المسار الثاني: وينزع الجاحظ فيه إلى تصوير نفسية البخلاء من خلال مجادلتهم ومناظرتهم في ذلك يقول: "وليس عجبي ممن خلع عِذَاره في البخل، وأبدى صفحته للذم ولم يرضَ من القول إلا بمقارعة الخصم... كعجبي ممن قد فَطِنَ لبخله، وعَرَف إفراطه وشُحّه وهو في ذلك يجاهد نفسه، ويغالب طبعه... فلو أنه كما فطن لعيبه، وفطن لمن فطن لعيبه، فطن لضعفه عن علاج نفسه وعن تقويم أخلاطه... لترك تكلف ما لا يستطيعه، ولربح الإنفاق على من يذمه...
__________________________________
المسار الثالث: وفيه يكشف عن سَوْءات البخلاء الذين يلجأون /يلجؤون إلى إخفاء السوءات في قرارة نفوسهم... إلا أن اللا شعور لا يلبث أن يلفظها دون وعي منهم. فتطفو على السطح وقد هتكت سترهم. وكشفت عن مرضهم "ودلت على حقائق التموهين... وهتكت عز أستار الأدعياء، وفرقت بين الحقيقة والرياء، وفصلت بين المقهور المنزجر ـ في طوايا النفوس ـ والمطبوع المبتهل والكتاب من هذه الزاوية، ومن الزاوية السابقة يعد كتاباً في تحليل نفسية البخلاء.‏
المسار الرابع: يتجه الجاحظ فيه إلى تصوير حالات الشره والنهم في الأكل، وتبيان حال المعوزين في كيفية الحصول على المال، كقصص الحارثي؛ وكقصص خالد بن يزيد الذي اتخذ الكُدْية مهنة له... ويصنف النقاد الكتاب من هذه الوجهة بأنه صورة لأدب الكُدْية وصورة للمطبخ وآدابه.‏
المسار الخامس: ويبين جانباً من هدف الكتاب وهو الضحك واللهو وإملاء الفراغ من سخرية على البخلاء، ويصنف ذلك في ثلاثة أشياء "تبيّن حجة طريفة، أو تعرف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة"
__________________________________
العوامل المؤثرة التي دعت الأديبين لأنموذج البخيل
يشكل كتاب البخلاء للجاحظ، ومسرحية البخيل لموليير ظاهرتين من ظواهر الفكر العربي في المجتمع العباسي، والفكر الغربي في المجتمع الفرنسي. حيث تعكسان لنا أنماط الحياة في كلا المجتمعين، وقد أخذت تتحول من البساطة إلى التعقيد، بعد أن ابتعدت عنها تلك السهولة التي كانت تطبعها وتميزها... ولقد لعب العامل الاقتصادي الدور الأهم في ذلك التغيير، بعد أن غدت العراق مركزاً للتجارة وللحياة الاقتصادية النابضة من الهند والصين شرقاً، إلى المحيط الأطلسي وجنوب الحبشة غرباً... الأمر الذي جنب الأضواء، وحوّل الأذهان عن التفكير في جميع القيم باتجاه القيمة المادية التي طغت على ما سواها.... ولم يكن الأمر في المجتمع الفرنسي بأفضل من ذلك. بل كان أشد بؤساً وتعاسة، وأكثر افتتاناً بجمع المال... كما شاعت فيه ضروب النفاق والدّجل والحرص على المال. وجاءت حروب "لويس الرابع عشر معاصر موليير لتزيد الطين بِلّة، إذ أنهكت فرنسا، وخلّفت فيها أنواعاً من الشقاء، وضروباً من الطبائع الخسيسة، خلّفها بذخ الملك، ونفقات الحروب الطويلة، فاستقل ذوو الأقلام بعلاج هذه المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حتى غدت حركتهم حركة تمهيد للثورة الفرنسية. وإذا كان الجاحظ قد انتقى أكثر أشخاصه من تلك الطبقة التي تكالبت على المال، فإن موليير انتقى أنموذجه ليجسم شراهة الطبقة البرجوازية المرابية الجشعة... مضافاً إليها طبقة رجال الدين المستغلة التي راحت تنتزع اللقمة من أفواه الناس.‏ وبطبيعة الحال، فقد قاد هذا الوضع الاقتصادي إلى خلخلة في المجتمع العربي، وكذلك في المجتمع الفرنسي الأمر الذي أدى إلى انشطار كل من المجتمعين ليفرز فئة كادحة تعيش في ضائقة خانقة، وتلتمس أغرب السبل والحيل من أجل حاجاتها... وكان الحال أسوأ في المجتمع الفرنسي الذي دخله الغرور بفعل كثير من التأثيرات، مما أدى إلى تمزق أصاب التركيب الاجتماعي فيه وقسمه إلى طبقات متناحرة.‏
هذه الأوضاع في كلا المجتمعين، ساقت إلى حالة خلقية متزعزعة قادت إلى الشك والريبة في كل القيم، ثم امتد الشك إلى القيم الروحية فانتشرت الرشاوى والمحسوبية، وأصبح المال سيد الموقف، والصوت الأعلى.‏
_________________________________
البخيل والبخلاء تشابه واختلاف ‏
اولا - وبخلاء الجاحظ يختلفون عن بخيل موليير في كثير من الصفات والمواقف، إنهم في غالبيتهم الساحقة بخلاء مثقفون، لا بل متكلمون مناطقة... أما بخيل موليير فتبدو عليه البلاهة والس ذاجة في أكثر مواقفه إلى درجة يخرج معها عن المألوف والمعقول حتى أنه يندهش من عبارة فالير عندما يؤنبه قائلاً: "إن على الإنسان أن يأكل ليعيش لا أن يعيش ليأكل"، وقد يتغابى بخيل الجاحظ أحياناً، لكنه تغاب معقول، وعلى شيء كثير من الذكاء والفطنة. حتى أنه يفطن إلى تغابيه فيسارع إلى تبريره بما يكاد يقنع... ويظهر ذلك الفرق الكبير بين عقلية أرباغون وثقافته من جهة، وبين عقلية عبد الله بن كاسب الحزامي الآنف الذكر وثقافته. ويعود السبب في هذا الاختلاف إلى أن موليير قد اختار بخيله من الطبقة الوسطى، طبقة التجار المحدثين، بينما اختار الجاحظ أكثر بخلائه من طبقة المثقفين، وكبار المسجديين، والوزراء والولاة... فالفرق ـ دائماً ـ بين بخيل موليير وبخيل الجاحظ هو الفرق بين طبقتيهما ودرجة ثقافتيهما.‏ ___________________________________
ثانيا - ثم إن الجاحظ قد صور لنا أنموذجاً واحداً للبخيل دون سواه (أرباغون)، في حين أن الدائرة اتسعت عند الجاحظ فانتقى نماذج البخلاء كثيرة ومتنوعة.‏ وإذا كان بخلاء الجاحظ ـ على تفلسفهم ـ يبدون عفويين لا يصطنعون الفلسفة حين يبررون أو يسوغون بخلهم وشحهم؛ فإن الفطنة والتفلسف الحاذقين يظهران عليهم كالخزامي، ورمضان الصيرفي، والإسواري والعقدي، وكعبد الله بن كاسب الذي كان له مع الجاحظ الحوار التالي:
يقــــول الجاحــــظ:‏
"وقلت له مرة: قد رضيتَ بأن يُقال عبد الله بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم. قلت: وكيف؟... ، قال: لا يُقال فلان بخيل إلا وهو ذو مال فسلّم إليَّ المال، وادعني بأي اسم شئت: قلتُ ولا يقال أيضاً فلان سخي إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الاسم الحمد والمال. واسم البخيل يجمع المال والذم. فقد اخترتَ أخسهما وأوضعهما. قال: وبينهما فرق. قلتُ فهاتِهِ: قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه. وفي قولهم سخي إخبار عن خروج المال من ملكه. واسم البخيل اسم فيه حفظ وذم. واسم السخي اسم فيه تضييع وحمد. والمال زاهر نافع مكرم لأهله، معز. والحمد ريح وسخرية. واستماعك له ضعف وفسولة، وما أقل غَنَاء الحمد ـ والله ـ عنه إذا جاع بطنه، وعرى جلده، وضاع عياله، وشمت به من كان يحسده..
__________________________________
ثالثا - على أن هناك فرقاً آخر كبيراً وواضحاً يكمن في تلك الحالة النفسية التي تعترينا بعد أن ندرك مدى أبعاد شح بخيل الجاحظ وبخله، ذلك أن هذا البخل، وهذا البخيل الذي قدمه هو ضحية اختلال القيم، وهذا الاختلال بقدر ما يثير في النفس الضحك، فإنه يبعث مشاعر الكآبة والأسى... وبخاصة حين نعلم ماقد جره بخيل موليير على أبنائه وأسرته كما سيمر معنا في العنصر التالي. على حين لم نشعر بهذه المشاعر ـ على ما أعتقد بعد أن عايشنا بخلاء الجاحظ.‏
__________________________________
أوجه التشابه:‏
^-^ ^-^
تبدو أوجه الشبه بين بخلاء الجاحظ وبخيل موليير واضحة
ومتـــعددة. و أكــثر مـــــا تتجلى فــــــيها:‏
أولاً ـ المبالغة في تصوير صفة البخل عند الكاتبين. لدرجة أن أعاب بعض النقاد على موليير تخطيه لكل ماهو معقول ومحتمل في طبائع أشخاصه. وقالوا: "إن بخيل موليير ليس إنساناً عادياً يعيش بيننا وإنما هو شخص مستحيل الوجود. وحججهم في ذلك أن في ملهاة "البخيل" عناصر كثيرة للتهريج، ومواقف خارقة للعادة، بحيث لا يعقل أن تكون صورة للواقع، أو مما يحتمل وقوعه في الحياة... بعض هذه المواقف يبدو محتملاً ومعقولاً، وبعضها في غاية السخف. كموقف "أرباغون" الذي نراه حين سُرقت صندوقته المليئة بالدراهم يتوجه للنظارة بالزعيق والصراخ طالباً منهم أن يرشدوه إلى سارقها... أو حين نراه يمسك بيده ظناً منه أنه يمسك بيد اللص...‏
__________________________________
ثانياً ـ على أن شخصية البخيل لدى الكاتبين تبدو لنا شخصية حقيقية، وكائناً يعيش بيننا، وينبض قلبه بدم الحياة ولو اعتراه شيء من المبالغة في سلوكه. إلا أن عيوبه وأهواءه هي التي تسيّره وهي التي تضفي عليه صفة من صفات البشر، لكنها هنا ظهرت بشكل "كاريكاتيري" مضخم... ولهذا يبدو لنا أرباغون كائناً حياً، واقعياً وعفوياً، على الرغم من خيالاته وتصوراته الغريبة... وإذا ما بدا لنا أكثر بخلاً وسذاجةً مما يجب، فما ذلك إلا لأنه وقع فريسة عيب يراه هو جادة الصواب، والسلوك الأمثل الذي يضمن سبب حياته ومبرر وجوده... وهذا الجانب كذلك نلحظه عند بخيل الجاحظ الذي لم يعد "يحفل بالذم والخمول"، وأصبح "زاهداً في الحمد والذكر الحسن"، كما يقول الجاحظ.‏
___________________________________
ثالثاً ـ وتبدو نقطة الالتقاء كذلك بين بخلاء الجاحظ وبخيل موليير في "نظرتهم للبخل". فهم يعتقدون أن الصفات التي يحملونها هي من صفات السلوك الصحيح من حيث الاقتصاد والحزم والتدبير، وغيرهم هو المخطئ... فأرباغون يريد أن يظهر بمظهر "شيخ الشباب"، رغم تقتيره أمام الشابة ماريان. و"زبيدة بن حميد الصيرفي" المليونير، يناقش البقال في الفرق الحاصل بين وزن "الشعيرات الأربع الصيفية"، وبين "الثلاث الشتوية الندية...". الخ.‏
__________________________________
رابعاً ـ حتى إذا أتينا إلى الأسلوب في الأداء، نرى أن كُلاً من الأديبين اعتمد أسلوب الحوار، سواء كان في الملهاة لدى موليير، أو في النثر لدى الجاحظ، الحوار الذي اقترب عند كليهما من اللغة اليومية، ومما ألِفَ الناس نطقه والاستشهاد به... وهذا هو السبب الذي أدى إلى الارتفاع بهذه الآثار الأدبية إلى مستوى الفن الرفيع الذي لا يبلى مع الزمن.‏
"وماكان لموليير أن ينجح، وأن يبلغ الذروة في هذا الف ن لولا اعتماده الألفاظ والمصطلحات الشعبية التي اقتبسها من أفواه أصحابها الذين عايشهم في الريف الفرنسي. فجاءت ملاهيه مليئة بها... وأبو عثمان الجاحظ لم يوفق في نوادره، إلا لأنه تخلى عن الأسلوبية والتنميق، ونحا بها نحو العفوية والطبيعية والانطلاق ببخلائه على‏ سجيتهم.‏ وعنصر السخرية: يُعد عنصر السخرية من أبرز الصفات التي يمتاز بها أدب الجاحظ. ولا تكاد تخلو قطعة في كتابه البخلاء ـ بخاصة ـ من روح السخرية التي تسري بهدوء ورصانة، وخفة ظل ومداعبة... وإذا كان لحياة الجاحظ الممتلئة بالمعايشة والتجربة، وكذلك لألوان ثقافته المتعددة الوجوه، والتي أفضت به إلى الاطلاع على صنوف الأجناس وألوان العقول... ومن ثم روح الاعتزال، ونزعة الجدل والمناظرة التي كان قادراً على تمثلها واستبطانها ومن ثم تجسيدها إبداعاً أدبياً؛ إذا كان لذلك تأثير في أدبه، فإن لطبيعته ومزاجه، وروحه المرحة سبباً في نزعته إلى الضحك والسخرية. ومن ذلك م ا نجده لديه من دعوة إلى الضحك والمزاح والفكاهة إذ يقول: "ولو كان الضحك قبيحاً من الضاحك، وقبيحاً من المضحك، لما قيل للزهرة والحَبَرة والحلى والقصر المبني: كأنه يضحك ضحكاً. وقد قال الله جل ذكره: (وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا وسخرية الجاحظ لا تأتي بصورة فجة وقاسية، بل تأتي في صورة رقيقة مستبطنة، لا يتنبه إليها إلا القارئ المتمتع بذهن متوقد وذوق رفيع... لقد سخر من بخلائه، لكن سخريته منهم بعثت البهجة في نفوسنا، وأثارت فينا مداعبة وخفة إلى درجة أن أصبحنا نخلع بعض أوصافهم ونعوتهم المحببة في عدد من المواقف والحالات المشابهة على أصدقاء لنا من باب المداعبة، لأن تلك السخرية التي جاء بها الجاحظ كانت مقبولة، ويمكن أن تقع للناس في كثير من أوجه حياتهم، وفي هذا يشير الجاحظ إلى مذهبه في السخرية، عندما يقول منبهاً إلى عدم الإفراط: "وللضحك موضع وله مقدار، وللمزح موضع وله مقدار، متى جازهما أحد، وقصّر عنهما أحد صار الفاضل خطلاً، والتقصير نقصاً وفي تحليل عنصر السخرية والإضحاك عند موليير، يقول الدكتور عمر الدسوقي: "ولموليير ملاهٍ خفيفة ليس فيها هذا العمق في التحليل، والجودة في الصنعة. وإنما الغرض منها إثارة الضحك. وهي من النوع الذي يسمى في الأدب الغربي (Farce) أي الملهاة الفكهة أو الضاحكة. ومن هذا القبيل ملاهيه: الزواج بالإكراه ـ وطبيب رغم أنفه، وكان يلجأ إلى هذا النوع بين الفينة والفينة لأنه محبب إلى الجمهور. وهو في حاجة إلى اكتساب رضاه والإقبال على مسرحه" ولقد أراد الجاحظ، كما أراد موليير ـ على بعد الزمن بينهما ـ أن يجعلنا نكره البخل ونرفض البخلاء. ولهذا لجأ كل منهما لإظهار عواقب هذا السلوك، الذي هو البخل، على النفس والسمعة والعلاقة مع الناس أولاً، وعلى الأسرة والمحيط ثانياً...فالبخيل في صراع دائم مع نفسه ومع الآخرين، وإن أَلْبَسَهُ الكاتب جانباً مضحكاً... ولهذا فقد استطاع كل من الجاحظ وموليير أن يتغلغل إلى أعماق هذه الشخصية، ويُركِّبها تركيباً أثار فينا مشاعر الغبطة والمرح، لكنه بعث فينا ـ في الوقت ذاته ـ شيئاً من الأسى والمرارة. لأن مواقف البخلاء بقدر ما هي مضحكة مسلية، هي محزنة ومقرفة ومرفوضة، والسبب أن الشح الذي هو التقتير يجعل من حياة صاحبه وحياة من حوله صورة لا تُطاق، والدليل على ذلك أن "بخيل أرباغون كان مقدراً له أن يجعل من حياة ولديه حياةً شقية بائسة... وفضلاً عن ذلك فقد دفع بهما بخل أبيهما إلى مواقف ومشاعر مأساوية وغير هزلية على الإطلاق. فأضمرا لـه الحقد والازدراء وعاملاه كعدو لا كأب. وليس عن عبث قال "موسيه": "كان ينبغي لنا أن نبكي من حيث ضحكنا وتأتي مقدرة موليير على التفاعل مع أنموذجه من عنايته الفائقة بتصوير الواقع الذي كان له شغف بمعايشته معايشة مكنته من التقاط أدق عادات الناس وتصرفاتهم وأخلاقهم... وتدل الدراسات النقدية للمسرحية على أن موليير "قد صب بخيله على قوالب معروفة لأناس عايشهم وخبرهم في مجتمعه بل وعاش مع بعضهم تحت سقف وا حد... فأبوه الفرّاش الغني كان كزّاً حريصاً يجمع الدرهم إلى الدرهم.... "وجان تاردييه" على الأخص كان كأرباغون يصل الدانق بالدانق، ويستثمر أمواله وكنوزه بشتى الوسائل وحتى إذا ما تقابلنا مع الجاحظ في ذلك، نراه يدخل أعماق شخصية البخيل ويتفاعل معها إلى درجة أن يسوق أقاصيصه عن البخل والبخلاء، والادخار والنفقة، والنفرة من الإسراف والتبذير بشكل "حدا ببعض النقاد إلى أن يسلكه في زمرة البخلاء والسبب أن أسلوب الجاحظ يقوم على حذق ومهارة وخبث لطيف ومحبب. فهو حين يسخر من شخصية لا يتولّى التشنيع والتهجين. وإنما يجر القارئ إليهما، ثم ينسل بعد إيقاظ الفتنة. وقد يعمد إلى المفارقات والمتناقضات مستعيناً في ذلك بضروب من الجدل والاحتجاج والمغالطة، أو المقابلة بين الشخصية وأشياء أخرى. كما فعل بتصوير ابن عبد الوهاب... وقد يتبع طريقة أخرى في التهكم تدخل القارئ جو المحاورة كأحد طرفيها. فإذا عرض له خصم أدخله في أتون من السخرية. يخرج من باب ليدخله من باب آخر، ثم يمزقه تمزيقاً فيصغّره في عيون الناس، ثم يصغّره في عيون نفسه...
"لقد كان أبو عثمان يمتلك حقاً تلك القدرة القادرة على إحياء الأشخاص وتركهم يتصرفون وفق بيئاتهم وأذواقهم... وليس من عبث قالوا: إنه لو عرف المسرح أو لو اطلع على أدب اليونان اطلاعاً وافياً لكان موليير العرب بلا منازع... لم يكن ينقص جاحظنا سوى الفن المسرحي وأصوله. أما الروح والمقدرة على السبر والمداعبة والحوار والتشخيص فأمور مشهودة له تؤكد ريادته وأصالته وتفوقه. حتى أن موليير نفسه قد لا يرقى إلى محجته في التنويع والمبالغة المعقولة الشيقة وموليير حين يبالغ يقع أحياناً في الإطالة أو الضحالة‏

.‏
اعداد:- مصطفى الخالدي








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
Admin


المساهمات : 16
تاريخ التسجيل : 10/01/2012

مُساهمةموضوع: رد: مقارنة بين بخلاء الجاحظ وبخلاء مولير    الأحد يناير 15, 2012 2:55 am

عاشت ايديك حبيبي
مصطفى الخالدي

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://fnon.gid3an.com
 
مقارنة بين بخلاء الجاحظ وبخلاء مولير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
طلبة معهد الفنون الجميلة :: الاقسام الفنية والثقافية :: قسم المسرح والسينما-
انتقل الى: